ليس بجسم ولا متحيز ولا مشار إليه ، ظن أن هذا عدم ونفي محض ، فيقع في التعطيل ، فكان الأصلح أن يخاطبوا بألفاظ دالة على بعض ما يناسب ما تخيلوه وما توهموه ، ويكون ذلك مخلوطا بما يدل على الحق الصريح . فالقسم الأول - وهو الذي يخاطبون به في أول الأمر - من باب المتشابه ، والقسم الثاني وهو الذي يكشف عن الحق الصريح هو المحكم » « 1 » .
وللعلماء في متشابه الصفات مذهبان :
الأول : مذهب السلف ، وهو الإيمان بهذه المتشابهات وتفويض معرفتها إلى اللّه تعالى . سئل الإمام مالك عن الاستواء فقال : « الاستواء معلوم ، والكيف مجهول ، والسؤال عنه بدعة ، وأظنك رجل سوء ، أخرجوه عني » « 2 » والثاني : مذهب الخلف ، وهو حمل اللفظ الذي يستحيل ظاهره على معنى يليق بذات اللّه . وينسب هذا المذهب إلى إمام الحرمين « 3 » ، وجماعة من المتأخرين .
ولتوضيح المذهبين نذكر بعض الآيات القرآنية الواردة في متشابه الصفات . فمن ذلك
الرَّحْمنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوى
« 4 » و
جاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا
« 5 »
وَهُوَ الْقاهِرُ فَوْقَ عِبادِهِ
« 6 »
يا حَسْرَتى عَلى ما فَرَّطْتُ فِي جَنْبِ اللَّهِ
« 7 » ،
وَيَبْقى وَجْهُ رَبِّكَ
« 8 »
هامش
( 1 ) الزرقاني ، مناهل 2 / 179 .
( 2 ) الاتقان 2 / 8 وقد أخرج الدارمي عن سليمان بن يسار أن رجلا يقال له ابن صبيغ قدم المدينة فجعل يسأل عن متشابه القرآن ، فأرسل إليه عمر وقد أعد له عراجين النخل ، فقال له : من أنت ؟
فقال : أنا عبد اللّه بن صبيغ . فأخذ عمر عرجونا فضربه حتى دمي رأسه . وفي رواية أنه كتب إلى أبي موسى الأشعري : ألا يجالسه أحد من المسلمين . الاتقان 2 / 5 .
( 3 ) إمام الحرمين هو عبد الملك بن أبي عبد اللّه بن يوسف بن محمد الجويني الشافعي العراقي ، أبو المعالي ، كان شيخ الإمام الغزالي ومن أعلم أصحاب الشافعي . توفي سنة 478 ه ( انظر ترجمته في وفيات الأعيان 1 / 287 ) .
( 4 ) سورة طه 5 .
( 5 ) سورة الفجر 22 .
( 6 ) سورة الأنعام 61 .
( 7 ) سورة الزمر 56 .
( 8 ) سورة الرحمن 27 .