في تلك القصة « 1 » فما لهم حاجة في معرفة زمانها ولا مكانها ، ولا أسماء أشخاصها ولا أشكالهم ولا أعدادهم ، ولا الطريقة التي صينوا بها في فجوة من الكهف لم يعبث بهم عابث حتى جاء الوقت المعلوم . بل اتجه القرآن إلى عبرة هذه القصة يستخلصها للمؤمنين ويحملهم على استخلاصها بأنفسهم ، فليس لهم أن يقفوا غير ما علموه في الماضي وما يمكنهم الساعة أن يعلموه . أما المستقبل فهو غيب محجّب لا يقطع أحد فيه بقول ولا عمل ، وإنما يحسن فيه التفكير والتدبير « ولا تقولنّ لشيء إني فاعل ذلك غدا - إلا أن يشاء اللّه - واذكر ربّك إذا نسيت » « 2 » .
وأما قصة موسى مع العبد الصالح فارتباطها بشؤون الغيب أوثق من ارتباط قصة الكهف بتلك الشؤون : فإن مشاهدها الأربعة المعروضة في هذه السورة قد تصادم ما تعارف الناس على تسميته بمنطق الأشياء والأحداث ، وقد تثير بغرائبها الاستنكار ، بيد أنها تحلّ أبسط حلّ وأيسره إذا ما عرضت على الصعيد الغيبي بمفاجآته وآياته ومعجزاته .
وأول تلك المشاهد الأربعة بطله موسى كليم اللّه ، وهو - على ما فيه من عجب - ليس شيئا ذا بال حين يقاس بالمشاهد الثلاثة الباقية التي كان بطلها عبدا صالحا آتاه اللّه رحمة من عنده وعلّمه من لدنه علما .
إن موسى - في المشهد الأول - مصمم على بلوغ مجمع البحرين « 3 »
هامش
( 1 ) قال الطبري في تأويل الآية :( فَلا تُمارِ فِيهِمْ إِلَّا مِراءً ظاهِراً وَلا تَسْتَفْتِ فِيهِمْ مِنْهُمْ أَحَداً ):
« يقول عز ذكره لنبيه محمد صلى اللّه عليه وسلم : فلا تمار يا محمد ، يقول : لا تجادل أهل الكتاب فيهم ، يعني في عدة أهل الكهف ، وحذفت العدة اكتفاء بذكرهم فيها لمعرفة السامعين بالمراد » الطبري 15 / 150 .
( 2 ) قارن بتفسير ابن كثير 3 / 79 .
( 3 ) سكت القرآن عن تعيين المنطقة الواقعة عند مجمع البحرين ، ولا حاجة بنا إلى الخوض في ذلك ، إلا أننا نستنتج - في ضوء معلوماتنا التاريخية - أن المراد بمجمع البحرين مكان التقاء خليجي العقبة والسويس بالبحر الأحمر . ولا داعي للرجوع إلى التفاسير في مثل هذه الشؤون ، فأكثر الآراء فيها هنا رجم بالغيب . ولا نستثني من ذلك تفسير الطبري نفسه . وانظر على سبيل المثال الطبري 15 / 176 .