الأيقاظ ولكنهم لا يقعدون ولا يفتحون أعينهم ولا يغادرون مكانهم ، فيثيرون برقادهم المتقلب ذعرا شديدا في قلوب المارّين بهم المطلعين عليهم . وتزداد هذه اللوحة حياة وحركة بصورة كلبهم باسطا ذراعيه بالفناء كأنّه يقوم على حراستهم وبصورة الشمس متجافية عنهم ، متباعدة عن كهفهم ، كأنها لا تريد لشعاعها أن ينفذ إليهم ، فهي تميل عن كهفهم يمنة إذا طلعت وتجاوزهم يسرة إذا غربت ، فما أعجبها آية من آيات اللّه ! « 1 » .
واللوحة الثانية - بطبيعتها - حافلة بالحركة والحياة : فقد استيقظ الرقود ، ودب فيهم النشاط من جديد ، وفركوا العيون ، ونظر بعضهم إلى بعض في استغراب شديد ، إذ شعروا أنهم يصحون من رقدة طويلة ولكنهم لم يعرفوا كم لبثوا في كهفهم نائمين ، فتساءلوا عن مدة لبثهم وتناجوا فيما بينهم ، وظنوا أن نومهم - مهما يك قد طال - لم يزد على يوم أو بعض يوم ، ثم ردوا الأمر إلى ربهم ، فإنهم فتية مؤمنون يفوّضون كلّ أمرهم إلى اللّه .
وفي اللوحة الثالثة - وهي خاطفة سريعة - يغادر أحد الفتية الكهف ، ويذهب بما بقي معهم من نقودهم الفضية ليشتري لهم طعاما طيبا يسدون به إحساسهم بالجوع بعد رقادهم العجيب ، فينصحونه - قبيل الخروج - بالحذر من مشركي تلك المدينة ، لئلّا يعرفوا مخبأهم فيقتلوهم رجما أو يردوهم عن عبادة الواحد القهار « 2 » .
ومن خاتمة هذه الأقصوصة ، ثم من أسلوب التعقيب على خاتمتها ، نستنتج أن أهل تلك المدينة كانوا قد آمنوا بعد شرك أسلافهم ، وأن اللّه أعثرهم
هامش
بالسريانية في القرن الخامس الميلادي ( تجعل عدد أولئك الفتية سبعة ، وتجعل رقادهم في الكهف قرنين فقط ، فقد بدأ رقادهم العجيب في عهد الإمبراطور دقيانوس ( بين عامي 249 إلى 251 ) ثم استيقظوا في عهد ثيودوسيوس بعد ست وتسعين ومائة سنة .
انظر ،massignon , recherche sur la valeur eschatologique des sept dormants , dans actes xxe congres des orientalistes , 302 .( 1 ) قارن بتفسير الطبري 15 / 139 .
( 2 ) قارن بتفسير ابن كثير 4 / 76 - 77 .