المحدودة وأفق الوحي المبين ، فما هو إلا بشر مثل سائر البشر ، وإنما يمتاز عنهم بتلقيه أوامر ربّه الذي يقذف في قلبه نور النبوّة والهداية « 1 » ، وفي غضونها قول أصحاب الكهف :
« رَبُّنا رَبُّ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ لَنْ نَدْعُوَا مِنْ دُونِهِ إِلهاً »
وقول المؤمن لصاحب الجنتين البطر المغرور : « لكنّا هو اللّه ربي ولا أشرك بربّي أحدا » وقول العبد الصالح لموسى : « رحمة من ربك ، وما فعلته عن أمري » ، فتلك جميعا آيات نواطق بوحدانية اللّه وعلمه الشامل الذي لا يعزب عنه مثقال ذرة في الأرض ولا في السماء .
وإذا آثرنا الإلمام بهذه الحقائق الأولية ولم نفض فيها لمحنا في السورة موضوعا شديد الصلة بتلك الحقائق ينبثق عنها بأساليب طريفة جدا تكاد تصيّره مستقلا فريدا : ذلك هو تصوير شؤون الغيب ، واقتطاعها من إطار العقيدة العام لتقابل بأسرارها العميقة كل ما ظهر أمره من قضايا الإيمان .
وفي السورة ثلاث أقاصيص تصحح عقائد المؤمنين في شؤون الغيب ، وتفصل لهم بين ما يرقى علمهم إليه وما لا يعرفونه إلا إذا كشف اللّه عن أبصارهم الغطاء : قصة أصحاب الكهف ، وقصة موسى مع العبد الصالح ، وقصة ذي القرنين في رحلاته الثلاث ولا سيما « بين السدين » مع يأجوج ومأجوج .
أما أصحاب الكهف فقد اختار القرآن لعرض قصتهم ثلاث لوحات حافلة بالحركة حتى في تصوير رقادهم الطويل : فمن عجب أن ترسم ريشة القرآن الخلافة - في اللوحة الأولى - أولئك الفتية أيقاظا وهم رقود ، إذ جعلتهم طوال النوم الذي ضرب على آذانهم أكثر من ثلاثة قرون « 2 » يتقلبون تقلب
هامش
( 1 ) وذلك في قوله تعالى :قُلْ إِنَّما أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحى إِلَيَّ أَنَّما إِلهُكُمْ إِلهٌ واحِدٌ. وقد علق عليه الطبري فقال : « يقول تعالى ذكره : قل لهؤلاء المشركين يا محمد : إنما أنا بشر مثلكم من بني آدم ، لا علم لي إلا ما علمني اللّه ، وإن اللّه يوحي إلي أن معبودكم الذي يجب عليكم أن تعبدوه ولا تشركوا به شيئا معبود واحد لا ثاني له ولا شريك » الطبري 16 / 31 .
( 2 ) قصة أصحاب الكهف عالمية ، تعرفها المسيحية في أساطيرها الذهبية «legende doree» وقد كتب لها الانتشار حتى أطراف بلاد المغول . والرواية المسيحية لهذه القصة ( التي كتبت -