تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مباحث في علوم القرآن — صفحة 217

مساهمون:

ص٢١٧
وحده لا شريك له منزها عن كل ما يصفون وما يخترعون « 1 » . وحين ننتقل الآن إلى سورة « الكهف » لا مفرّ لنا من الإيجاز الشديد ، والاستغناء في أكثر المواطن بالتلويح عن التصريح ، لأنّنا نواجه سورة طويلة من عشر ومائة آية ، ونلاحظ في آياتها نفسها انسيابا وطولا وإطنابا إلا في مقاطع قليلة ، فضلا على ما يتلى في أوائلها وأواسطها وأواخرها من قصص ديني يكاد يستغرق ثلثيها ، وفضلا على ما يتخلل هذا القصص أو يعقبه من تعليق أو تذييل أو تفسير . وربما بدت لنا سورة « الكهف » إحدى السور التي تفسح المجال لتفصيل الحديث عن خضوع القصة في القرآن للغرض الديني ، ولكننا لن نعرض لهذا التفصيل إلا بقدر مخافة الذهاب باستطرادنا بعيدا عن غايتنا الأساسيّة في هذا الفصل ، إذ يعنينا منه تقصي الخطوات التي مرت بها الدعوة الاسلامية في مكة ثم في المدينة ، ولا ريب أن تقصي هذه الخطوات لا يسمح لنا - حتى في السور التي اخترنا تحليلها - باستطراد مفصل ولا تعقيب طويل . تهدف سورة « الكهف » - كجميع السور المكية ولا سيما في هذه المرحلة الثالثة الأخيرة - إلى بناء العقيدة بناء سليمان في إثبات الوحدانيّة ، والفصل الواضح بين ذات الخالق وذات المخلوق ، وكشف الحجب عن ظاهرة الوحي وأسرارها المعجزة العجيبة . ولا حاجة بنا إلى التصريح بمقاطع السورة وآياتها الناطقة بهذه الحقائق ، فإنها تنبئ عن نفسها ولو اكتفى القارئ بإلقاء نظرة عجلى إليها . وحسبك في بدايتها أن هذا القرآن أنزل غير ذي عوج لتبشير المؤمنين الموحّدين وإنذار الذين قالوا : اتخذ اللّه ولدا « 2 » ، وفي نهايتها أن محمدا صلى اللّه عليه وسلم يؤمر بتوضيح الفرق الذي لا يتناهى بين آفاقه البشرية
هامش
( 1 ) بالإضافة إلى ما ذكرناه في الحواشي من التأويلات الواردة في تفسيري الطبري وابن كثير ، ارجع في تفسير سورة الصافات إلى الرازي 7 / 118 والبيضاوي 2 / 167 والنسفي 4 / 13 . ( 2 ) قال ابن إسحاق : الذين قالوا :« اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَداً »هم مشركو العرب في قولهم : نحن نعبد الملائكة وهم بنات اللّه . انظر تفسير ابن كثير 3 / 71 .