وفي معرض هذا التذكير الذي يفيض بالإيحاءات المؤثرة ، ويهز القلوب الغافلة هزا شديدا ، رسم القرآن في لمحات عجلى قصة نوح الذي استجاب اللّه دعاءه فنجاه وأهله من الكرب العظيم ، وأغرق المكذبين به ، وقصة إبراهيم الذي حطم أصنام قومه ، فهموا به ليقتلوه ، وبنوا له بنيانا ليحرقوه ، فأنقذه اللّه من كيدهم وجعل النار بردا عليه وسلاما ، وقصة موسى وهارون اللذين اصطفاهما اللّه لرسالته ، وآتاهما التوراة فيها هدى ونور ، وكتب لهما النصر على فرعون وملئه المفسدين ، وقصة إلياس الذي أنكر على قومه عبادتهم بعلا وإعراضهم عن أحسن الخالقين ، وقصة لوط الذي نجّاه اللّه وأهله - إلا امرأته - من الزلزال والدمار ، وأمطر قومه الضالين حجارة من سجيل ، فساء مطر المنذرين ، وقصة يونس الذي ضاق ذرعا بتكذيب قومه فخرج مغاضبا آبقا ، فركب سفينة مشحونة ، واقترعوا حين تلاعبت بها الرياح والأمواج على من يلقونه منها تخفيفا لوزنها الثقيل ، فخرجت القرعة ليونس فألقي في البحر والتقمه الحوت وهو مستحق للوم على قنوطه ومغاضبته ، ثم سبّح اللّه في بطن الحوت وهو مستحق للوم على قنوطه ومغاضبته ، ثم سبّح اللّه في بطن الحوت فاستجاب اللّه دعاءه ، فأخرجه من بطنه ونبذه على الشاطئ عاريا سقيما ، ولما أبلّ من مرضه دعا قومه إلى عبادة اللّه فآمنوا كلهم وكانوا مائة ألف أو يزيدون « 1 » .
هذه القصص جميعا رسمت أحداثها سورة « الصافات » في ومضات سريعة برزت من خلالها عاقبة المكذبين واستجابة اللّه لعباده المخلصين ، فكان فيها إنذار للمشركين بسوء المصير ودعوة للنبي إلى الصبر الجميل . ولذلك خص إبراهيم الخليل في سلسلة هذه القصص بسياق أطول ، ومراحل أكثر إسهابا وتفصيلا ، حين عرضت حادثة فداء ابنه بمواقفها المؤثرة ، وحوارها الأخاذ ، وأسلوبها الرهيب : فقد أبرزت هذه الحادثة - بعد قصة تحطيم إبراهيم للأصنام - لما توحي به من الاستسلام للّه ، والاطمئنان إليه ، والثقة به ،
هامش
( 1 ) راجع قصة يونس هذه في تفسير الطبري 23 / 63 .