الشراب « 1 » ، ويضاعف لهم هذا النعيم بأنبل صحبة وأسماها وأحلاها مع أزواجهم الحييات المصونات من الحور الحسان الناعمات .
وإنهم لفي نعيمهم هذا إذ يذكر أحدهم قرينا له كان في الدنيا يكذب بالبعث والنشور ، فيذهب السعداء لتفقد هذا القرين والتطلع إلى مصيره ، فيجدونه في وسط الجحيم ، ويوجه السعيد إلى قرينه الشقي كلمات التأنيب ، وفي خلالها يحمد اللّه على أن جعله وإخوانه من الأتقياء المخلصين .
ويطلق القرآن هنا الموازنة إلى أبعد مدى ، وهو يبسط أمام المكذبين الجاحدين الفرق الشاسع بين تقلب السعداء في أعطاف النعيم وغصص الأشقياء وهم يأكلون من شجرة الزقوم ، وهي شجرة جهنمية خبيثة تناهت في القبح وإثارة الرعب حتى أشبهت رؤوس الشياطين التي يتصورها الخيال أقبح ما تكون « 2 » ، وكلما احترقت حلوقهم من الظمإ واللهيب شربوا ماء حميما غاليا عكرا فقطع أمعاءهم ، وكلما التمسوا ملجأ يقيهم هذا الويل الشديد ردّوا إلى قعر جهنم ، وساءت مستقرا ومقاما .
ويذكر القرآن هؤلاء الضالين بأسباب ضلالهم ، فإنهم مقلدون يهرعون على آثار آبائهم ، ولا يقارنون مقارنة منطقية بين مصيرهم المظلم ومصير المؤمنين المشرق السعيد ، ولكن أسلافهم ضلوا من قبل مع أن النذر أرسلوا فيهم متتابعين ، فلم ينج من العذاب العاجل إلا المصطفون الأخيار .
هامش
( 1 ) يقول الطبري في تأويل قوله تعالى :( لا فِيها غَوْلٌ وَلا هُمْ عَنْها يُنْزَفُونَ ): « لا في هذه الخمر غول ، وهو أن تغتال عقولهم . يقول : لا تذهب هذه الخمر بعقول شاربيها كما تذهب بها خمور أهل الدنيا إذا شربوها فأكثروا منها ، كما قال الشاعر :وما زالت الكأس تغتالنا * وتذهب بالأول الأولوالعرب تقول : ليس فيها غيلة وغائلة وغول بمعنى واحد . تفسير الطبري 23 / 35 . ثم يعلق على قراءتي ( ينزفون ) بكسر الزاي وفتحها فيقول : « والصواب » من القول في ذلك أنهما قراءتان معروفتان صحيحتا المعنى غير مختلفتيه ، فبأيتهما قرأ القارئ يصيب ، وذلك أن أهل الجنة لا ينفد شرابهم ، ولا يسكرهم شربهم إياه فيذهب عقولهم » .
( 2 ) قال ابن كثير : « وإنما شبهها برءوس الشياطين - وإن لم تكن معروفة عند المخاطبين - لأنه قد استقر في النفوس أن الشياطين قبيحة المنظر » انظر تفسيره 4 / 10 .