السماء إلا على البهاء والجمال ، والثانية خصيصة الحفظ والرصد حتى لا يستمع شيطان متمرد ما يدور في الملإ الأعلى : فهذه الكواكب حفظة للسماء تطرد العتاة عن بابها برجوم من نار ، وتدحرهم دحرا فيولون الأدبار .
وإن قيام الكواكب بوظيفتيها كلتيهما على الوجه الأدق الأكمل لبرهان صادق على تناسق هذا الكون ، وجريان كل شيء فيه بقدر ، وتحرك كل ما فيه بقدرة اللّه لخالق البارئ المصور .
ومشركو مكة - بدلا من أن يتدبروا صنعة الخالق الذي أتقن كل شيء - يلجون في عتوهم ونفورهم ، ويتمادون في غيهم وغرورهم ، كأنهم يحسبون أنفسهم أشد خلقا من الملائكة الصافات ، أو أقوى تمردا من الشياطين العتاة « 1 » ، وإذا هم ينكرون البعث بعد أن يصيروا ترابا وعظاما ، ويرمون القرآن بالسحر شكا وارتيابا . فيأمر اللّه نبيّه - في موقفهم العجيب - بتذكيرهم بنشأتهم الأولى من طين رخو لزج ، وإنذارهم بصيحة البعث تزجرهم زجرة واحدة وتسوقهم وأزواجهم وما كانوا يعبدون إلى أرض المحشر ، فيجدون أنفسهم فجاءة في الجحيم أذلة مستسلمين ، ثم يتبرأ بعضهم من بعض ويعترفون باستحقاقهم العذاب الأليم .
وسنّة القرآن في مقابلة مصير الأشقياء بمصير السعداء لا تتبدّل ، فهنا تصوير وارف الظلال لمظاهر التكريم التي أعدها اللّه للمخلصين من عباده :
بدأ باستثنائهم من العذاب الأليم ، ثم آتاهم ما تشتهيه أنفسهم في جنات النعيم ، فهم يتكئون على السرر في راحة واطمئنان ، ويتناولون الفواكه من قطوف ذلّلت تذليلا ، ويتساقون خمرا علوية لا تصدع الرؤوس ولا تقطع لذة
هامش
( 1 ) قال ابن كثير هنا في تأويل قوله تعالى :( فَاسْتَفْتِهِمْ أَ هُمْ أَشَدُّ خَلْقاً أَمْ مَنْ خَلَقْنا ؟ إِنَّا خَلَقْناهُمْ مِنْ طِينٍ لازِبٍ ): « يقول تعالى : فسل هؤلاء المنكرين للبعث : أيما أشد خلقا : هم أم السماوات والأرض وما بينهما من الملائكة والشياطين والمخلوقات العظيمة ؟ » . تفسير ابن كثير 4 / 3 .