وإن وحدانيته سبحانه لأبلغ رد على تلك الأسطورة الحمقاء التي افترضت قرابة بين اللّه - جل وعلا - وبين الجن : فقد زعمت العرب أن اللّه تعالى تزوج الجنة فولدت من هذا التزاوج الملائكة ، فهنّ بنات اللّه ! وفي سورة الصّافات رد على هذه الفرية الجهلاء في أربعة مواطن : أولها المطلع الذي رسم - من خلال القسم - صورة الملائكة قائمات بأمر اللّه ، صفوفا بين يديه ، نازلات بالوحي على قلوب النبيين ، فهنّ من خلق اللّه في عالم الغيب المستور .
والموضع الثاني في قوله : « رب السماوات والأرض وما بينهما ورب المشارق » « 1 » ، فما بين السماوات والأرض من مخلوقات دقيقة ، وما يعرج بينهما من ملائكة مطهرين وأرواح علوية ، خلق من خلقه ، وعبيد من عباده ، يعترفون له بالألوهية والوحدانيّة والقدرة .
والموضع الثالث في رجم الشياطين الذين يحاولون استراق السمع ، مع أنهم - بزعم العرب - هم « الجنة » الذين جعلوا بينهم وبين اللّه نسبا ، فما بالهم يطاردون في السماء ، ويقذفون بالشهب ، رغم قرابتهم المزعومة مع اللّه الكبير المتعال ؟
والموضع الرابع الأخير قبيل خاتمة السورة في تلك الحملة العنيفة الساخرة على هذه الفرية السخيفة المتهافتة ، وفي استفتاء القرآن أولئك الحمقى عن منشأ أسطورتهم ، وعن أسرار تأنيثهم الملائكة ، وعن أسباب نسبتهم ما يكرهون إلى اللّه . وهكذا كانت وحدانيّة اللّه في ذاته أبلغ رد على أسطورة العرب في الملائكة والشياطين ! على أن الحديث عن رجم الشياطين بالشهب إنما جاء عقب الحديث عن تزيين السماء الدنيا بالكواكب ، فقد أودع اللّه الكواكب خصيصتين تكمل إحداهما الأخرى ، أولاهما خصيصة التزيين والتجميل حتى لا تقع العين في
هامش
( 1 ) قال الطبري في تفسيره 23 / 23 : « وقوله : ( ورب المشارق ) يقول : ومدبر مشارق الشمس في الشتاء والصيف ومغاربها ، والقيم على ذلك ومصلحه . وترك المغارب لدلالة الكلام عليه » .