تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مباحث في علوم القرآن — صفحة 210

مساهمون:

ص٢١٠
من أن نتناول بالدراسة الخاطفة كل ما سردناه « 1 » سنكتفي بإبراز الملامح الأساسية لسور منها ثلاث هي : الصافات ، والكهف ، وإبراهيم ، ويقاس بعد ذلك سائرها على هذي الثلاث . أما « الصافات » فتقع في اثنتين وثمانين ومائة آية ، متعددة الفواصل ، متنوعة الإيقاع في آياتها الإحدى عشرة الأوائل ، ثم تلتزم فيها حتى نهايتها فأصلها الواو والنون ، والياء والنون ، وأحيانا الياء والميم . ومن خلال مقاطع السورة المتتابعة تبرز طائفة من الأفكار والمشاهد والمواقف المترابطة المتناسفة التي ترتد كلها إلى بناء العقيدة في النفوس خالصة من الشرك : فمن تثبيت فكرة التوحيد إلى تأكيد فكرة البعث وتصوير بعض المفاجآت يوم القيامة ، ومن الملائكة الصافات إلى الشياطين المستمعين إلى الملإ الأعلى ورجمهم بالشهب الثاقبة ، ومن تكذيب المشركين بالنبي إلى عرض سلسلة من قصص الرسل : نوح وإبراهيم وموسى وهارون وإلياس ولوط ويونس ، مع إبراز قصة إبراهيم وابنه الذبيح في حادثة الفداء بمواقفها المؤثرة الموحية ، ومن حملة على أسطورة العرب في الملائكة إلى وعد اللّه لرسله بالنصر المبين . أقسم اللّه بالملائكة الصافات لربها في السماء « 2 » الماثلات بين يديه صفا صفا في ارتقاب أمره ، وتنفيذ مشيئته ، وزجر المكذبين لرسله ، وتلاوة الذكر « 3 » على أصفيائه من خلقه ، على أنه واحد لا شريك له في ذاته ولا في ملكه .
هامش
( 1 ) كنا قد سردنا في موضع آخر من هذا الفصل من سور المرحلة الختامية في مكة : الصافات ، والزخرف ، والدخان ، والذاريات ، والكهف ، وإبراهيم ، والسجدة ، وإنما اكتفينا بها هناك لأنها مما اتفق المفسرون والمؤرخون على أنه من أواخر الوحي المكي . ( 2 ) هذا اختيار الطبري في تفسير قوله تعالى :( وَالصَّافَّاتِ صَفًّا )انظر تفسيره 23 / 22 . ( 3 ) الذكر هنا كلمة عامة يراد بها الكتب السماوية التي تذكر باللّه ، فتشمل جميع ما أنزله اللّه على أنبيائه من الوحي . ولا داعي لتخصيص هذا اللفظ بالقرآن وإن كان يتناوله بالمقام الأول ، لأن من أسمائه الذكر والذكر الحكيم . وقارن بتفسير ابن كثير 4 / 2 .