الحجر « 1 » الذين كذّبوا صالحا وأعرضوا عنه ، وألهاهم الأمل الكاذب فيما نحتوه من البيوت المحصنة في صلب الصخور ، ثم أتت على حصنهم صيحة طاغية فدمرتها تدميرا وهم فيها آمنون في سكون الصبح الجميل .
وإذا لم يكن للمشركين في هذا القصص عبرة ، فليكن لمحمد فيه أسوة حسنة ، وليتسلّ به عما يلقاه من قومه ، وليكتشف من خلاله الحقّ الذي أقام اللّه عليه السماوات والأرض ، وليصفح الصفح الجميل عن أعدائه الجاهلين ، وليمض في طريق الدعوة إلى اللّه ، ولينذر الغافلين ، وليصرف بصره عن متاع الغرور قانعا بما آتاه اللّه من السبع المثاني « 2 » والقرآن العظيم ، وليجهر بالوحي الذي أنزل اللّه مثله على قلوب النبيين ، فإن العاقبة للمتقين .
وإننا - إذ نختم بسورة « الحجر » تحليلنا السريع لما اخترناه من سور المرحلة المتوسطة - لا يغيب عنا أن انفرادها بميزة الطول النسبي إرهاص لما سنلمحه في المرحلة الأخيرة من طول نسبي أيضا حتى ليصعب التمييز بين سور المرحلتين في هذه الخصيصة ، ولا سيما إذا لاحظنا أن الفصل بين مختلف الزمر أمر اعتباري ليس له من الواقع نصيب ، فكل مرحلة امتداد للتي سبقتها ولا يبدو هذا الامتداد أوضح ما يكون إلا في السور الأولى من المرحلة الجديدة حين تقابل بسماتها المستقلة وملامحها المتميزة السور الأواخر من المرحلة السابقة .
ولا يغيب عنا أيضا أن افتتاح سورة « الحجر » بالحروف المقطعة إرهاص لكثير من سور المرحلة الثالثة المفتتحة بهذه الحروف . وذلك يؤكّد ما كنّا
هامش
( 1 ) أصحاب الحجر هم ثمود ، والحجر هي المعروفة اليوم بمدائن صالح ، وتقع بين الحجاز والشام إلى وادي القرى . وللمستشرق شليفر بحث طريف عن الحجر وأصحابها .
انظر :schleifer , encycl . de l'islam , art . hidjr , ii , 320( 2 ) انظر في تأويل « السبع المثاني » الطبري 14 / 35 - 41 وقارن بابن كثير 2 / 557 . والأرجح كما قال الطبري - أنها آيات فاتحة الكتاب ، وهي سبع تثنى وتعاد في كل ركعة من ركعات الصلاة . ولذلك عقد المستشرق فنسنك مقارنة بين لفظة « مثناة » العربية و « مشنا » العبرية ، ففي كلتيهما معنى الإعادة .
وانظر :encycl . de l'islam , wensinck , art , mathani , iii , 464