تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مباحث في علوم القرآن — صفحة 202

مساهمون:

ص٢٠٢
السعير ، فلينطلقوا إلى هذي الظلال ، وليجدوا لديها الحرور ! وإن يك لدخان جهنم تلك الظلال الخانقة اللاهبة فكيف بشررها ولظاها ؟ إن كل شررة منها في حجم القصر الكبير ضخامة وارتفاعا ، وتكاد شظاياها التي تتناثر مصفرّة من كثرة الوقود تحكي قطيعا من الجمال الصفر تعدو في البيد في هياج شديد ! « 1 » . ما أجدر الأصوات في ذلك اليوم أن تخشع ، وما أجدر الألسنة أن تجف صامتة في الحلوق ، وما أجدر المجرمين أن يكظموا حناجرهم ويكتبوا أعذارهم في صدورهم ، فما لأحد عذر يبديه في ذلك الموقف المهيب . لقد حشر اللّه الأولين والآخرين ليفصل بينهم بحكمه ، فمن كان له مكر فليمكر ، ومن أوتي القوة فليحسن التدبير . . . لكن الترهيب في القرآن يعقبه الترغيب ، وإن الجنة والنار ليتقابلان في أكثر السور تقابل شطري البيت في القصيد ، فالمتقون ينعمون في الفردوس بظلال حقيقية وارفة لا بظلال الحرور اللافح ، وتجري من تحتهم العيون النضّاخة العذبة ولا يتناثر من فوقهم شرر النار الموقدة ، ويكرّمون بخطاب اللّه لهم ودعوته إياهم إلى الهناءة بما يأكلون وما يشربون ولا يفرض عليهم الصمت الكئيب . فهلا بكت المجرمون أنفسهم ، وأدركوا أن متاع الدنيا قليل ؟ وهلا خشعت نفوسهم للحق فركعوا مع الراكعين ؟ أم كتب عليهم الشقاء فهم لا يؤمنون ؟ « 2 » . وفي سورة « البلد » تلويح بقسم عظيم على أن حياة الإنسان سلسلة من المكابدة والمشقة والكفاح . أما المقسم به فهو أمران : أحدهما بيت اللّه الحرام « 3 »
هامش
( 1 ) هذه الصورة يوحي بها قوله تعالى :« إِنَّها تَرْمِي بِشَرَرٍ كَالْقَصْرِ ، كَأَنَّهُ جِمالَتٌ صُفْرٌ ». وقد اخترنا هذا التأويل من بين طائفة من الأقوال الأخرى . وانظر الكشاف 4 / 174 . ( 2 ) راجع تفسير سورة « المرسلات » في الطبري 29 / 140 والنسفي 4 / 241 . وقارن بالبيضاوي 2 / 377 والزمخشري 4 / 173 . ( 3 ) أصاب المستشرق موير حين ترجم « البلد » هنا بيت اللّه الحرام . انظر الطبري 30 / 123 وقارن بmuir , trad . , 14