تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مباحث في علوم القرآن — صفحة 199

مساهمون:

ص١٩٩
داعي للاستعجال ، حتى رسول اللّه الأمين تعتريه أحيانا سمة من سمات الإنسان العجول ، فيحرك لسانه بالوحي عجلان ، مخافة أن يفوته حفظ شيء من القرآن ، فليستعل بنبوته على الطبيعة الإنسانية العجلي ، وليثق بأن منزل الوحي على قلبه قد تكفل بحفظه وصيانته ، وجمعه وبيانه « 1 » . وما أسعد الذي فضّل حبّ اللّه على حبّ هذه الدنيا العاجلة ! إنه مطمئنّ إلى اللّه ، متطلع إلى رضوان اللّه ، مستشرف إلى النعيم الروحي الأسمى الذي يتمثل في نضرة وجهه حين ينظر إلى جمال اللّه ! أما الذي استحب العاجلة على الآجلة ، وآثر اتباع الهوى على طاعة اللّه ، فما أنكى مصيره وما أشقاه ! إنه محروم من نور البصيرة المشرق ، يترقب بوجهه الكالح العابس كارثة تقصم ظهره ، وتحطم فقاره ، وتنذره بالعذاب الأليم « 2 » . ولو رجع منكر والبعث مرة واحدة إلى مشهد الاحتضار الذي يتكرر كل يوم تحت أبصارهم ، وتذكروا كيف يفارق الأحياء أحبتهم ، ويرحلون إلى عالم مجهول ، لأيقنوا بأن اللّه القهار الذي أمات الحي قادر على أن يحيي الميت . فإنهم يعرفون أن الرقى والتعاويذ لا تغني عن المحتضر شيئا متى بلغت روحه الحلقوم ، وتلوّى من سكرات الموت في كرب شديد . فمن كان مشهد الاحتضار لا يرعبه ، وانتزاع الأحبة لا يقلقه ، فليذهب في درب الحياة فخورا ، وليمطّ ظهره متعاجبا مزهوا ، وليعرض عن الحق أيما إعراض . إن الويل لينتظره ، وإن غضب اللّه قد حلّ بساحته ! وما كان على منكري البعث إلا أن يلتفتوا إلى نشأتهم الأولى ليقيسوا عليها
هامش
( 1 ) ربطنا هنا ، وفي فصل علم أسباب النزول ، بين قوله تعالى :« لا تُحَرِّكْ بِهِ لِسانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ »وقوله :« كَلَّا بَلْ تُحِبُّونَ الْعاجِلَةَ »رد قاصم حاسم لكل من توهم الانقطاع في ثنايا هذه السورة ، فما يحتاج القارئ الفطن - لإدراك وجه التناسب بين المقطعين - إلا لحس مرهف لطيف يتذوق أساليب العرب في اتساق النظم وارتباط السياق . فأنى لعجمة الأب لامنس أن ترقى إلى فهم هذا البيان الرفيع ! انظر :lammens , fatima , 113( 2 ) راجع هنا تفسير الرازي 8 / 259 وما بعدها .
مباحث في علوم القرآن — صفحة 199 | صبحي الصالح