تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مباحث في علوم القرآن — صفحة 200

مساهمون:

ص٢٠٠
بمنطق الفطرة نشأتهم الآخرة . ألم يكن الإنسان ماء رقيقا مهينا ؟ ألم يتحول هذا الماء دما متجمدا عالقا بجدران الرحم ؟ أو لم يتطور في هذا القرار المكين حتى أضحى جنينا به خصائص الذكر أو خصائص الأنثى ؟ فهل يعجز عن إحيائه من خلقه من العدم ؟ وهل يتركه خالقه الحكيم سدى ؟ ألا تنطق الفطرة السليمة بوجوب البعث والنشور ، وثواب المتقين وعقاب الفاجرين ؟ « 1 » . وفي سورة « المرسلات » نمط خاص فريد في تصوير أجمل مشاهد الدنيا وأعنف مشاهد الآخرة ، وأصدق حقائق الكون وأعمق أغوار النفس ، في مقاطع شافية الفواصل ، متعددة الأنغام ، مصحوبة بقوله تعالى
« فَوَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ
يتكرر فيها عشر مرات كأنّه لازمة الإيقاع ، وتجيء هذه المقاطع ، بسماتها الحادة العنيفة ، متناسقة كل التناسق مع مطلع السورة الرهيب الذي أقسم اللّه فيه بالملائكة المرسلات على أن وعده بالآخرة واقع لا ريب فيه . وفي القسم بالمرسلات غموض ملحوظ يتناسق مع عالم الغيب المقسم عليه ، فكل ما فيه مغيّب مجهول ، وقد اخترنا أنهن الملائكة مخافة الخوض - في هذه العجالة - في الخلاف الطويل المشهور ، فقد أقسم اللّه - وهو بقسمه أعلم - بالملائكة اللاتي يرسلهنّ متتابعات ، فيعصفن عصف الرياح وهنّ بأمره ماضيات ، فينشرن في الأرض شرائعه ، ويفرقن بإذنه بين الحق والباطل بما يلقين إلى أنبيائه من وحي فيه إعذار إلى الخلق وإنذار « 2 » !
هامش
( 1 ) راجع في تفسير سورة القيامة الطبري 29 / 108 وقارن بالكشاف 4 / 163 والنسفي 4 / 235 . ( 2 ) قارن في تفسير هذا المطلع القسمي بين الطبري 29 / 140 والرازي 8 / 288 والزمخشري 4 / 173 . وما اخترناه أقرب إلى رأي الزمخشري . ويلاحظ أن هذا الضرب من القسم إطار أدبي جميل لفصول بعض الكتب الدينية الشرقية ، لما يوحي به - ولا سيما في المطلع - من رهبة المجهول ؛ ولكن جمهور علماء المسيحية يرمون بالوضع والاختلاق كل كتاب ديني شرقي يفتتح شيء من فصوله بمثل هذه الأقسام الأدبية الموحية ، كما رموا بالوضع « صلوات جلغوطgolgotha» التي نقرأ فيها : « والملائكة المرسلات في السحب تترى ، الماضيات إلى الشمس قدما » ، ونقرأ أيضا : « وأورشليم ، وجبل طابور ، وطور صهيون وذرى الزيتون » . ( انظر ترجمة باسيه لهذه الصلوات باللغة الفرنسية ضمن « الآثار الحبشية الموضوعة » : (apocryphes etiopiens , fasc , v , 34 , trad . fr . r . basset -
مباحث في علوم القرآن — صفحة 200 | صبحي الصالح