تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مباحث في علوم القرآن — صفحة 205

مساهمون:

ص٢٠٥
ونزول الملائكة ليس في ذاته بالمستحيل ، بيد أنه أمارة على الهلاك القريب ، فهل يستعجل المشركون العذاب لأنفسهم ؟ وهل يريدون أن تحق عليهم كلمة الخراب والدمار ؟ « 1 » . إن الكفر ملة واحدة ، وإن أساليب التعنت والعناد لدى الكافرين متماثلة ، وما صورة مشركي مكة إلا مرآة للمكذبين في كل جيل : لو خرق اللّه لهم السماء ، وفتح لهم فيها بابا ، وأعدّ لهم فيها معراجا ، ومكنهم من اختراق حجابها ، وصدع بابها ، والصعود في معراجها ، لكابروا بلا حياء ، وأنكروا بعناد عجيب ما رآه بصرهم الحسير ، وزعموا أنهم مسحورون ، وأن عيونهم مخدّرة سكرى لا ترى إلا وهما وخيالا « 2 » . إن القرآن - مع ذلك - لا يسلمهم إلى عنادهم البغيض ، بل يوقظهم من سكرتهم ، ويستثير كوامن الخير في أنفسهم ، ويفتح عيونهم على مشاهد في هذا الكون الجميل تنطق بآثار الخلاق العليم : فهذه نجوم متلألئة في السماء تنتقل من منازلها وهي تدور ، فتسر الناظرين ، وتلك جبال شامخات ألقيت في الأرض بثقلها وضخامتها ، فهي توحي بالرهبة والجلال ، وهذا نبات يفترش الأرض أو يستلقي عليها أو يمتد في الهواء ، وقد وزنه اللّه أحكم الوزن في طعمه ولونه وريحه ليكون رزقا للخلق ومعايش للعباد ، ينزل من خزائن الرحمن بقدر معلوم ، وتلك رياح لواقح تحمل الماء وتنطلق به ثم تسقطه مطرا غزيرا مدرارا « 3 » يروي العطاش ويحيي الموات ، فالملك كله بيد اللّه ،
هامش
( 1 ) حين طالب المشركون النبي بنزول الملائكة رد القرآن عليهم بقوله :ما نُنَزِّلُ الْمَلائِكَةَ إِلَّا بِالْحَقِّ ، وَما كانُوا إِذاً مُنْظَرِينَ، فالملائكة لا تنزل إلا بعذاب المكذبين ، ومتى نزلت لا إمهال ولا إنظار . قارن بالطبري 14 / 6 . ( 2 ) قارن بقول الزمخشري في الكشاف 2 / 312 : « والمعنى أن هؤلاء المشركين بلغ من غلوهم في العناد أن لو فتح لهم باب من أبواب السماء ، ويسر لهم معراج يصعدون فيه إليها ، ورأوا من العيان ما رأوا ، لقالوا : هو شيء نتخايله لا حقيقة له ، ولقالوا : قد سحرنا محمد بذلك ! » ( 3 ) عن عبد اللّه بن مسعود في قوله : ( وأرسلنا الرياح لواقح ) . قال : « ترسل الريح فتحمل الماء من السماء ، ثم تمر مر السحاب حتى تدركما تدر اللقحة » . وكذا قال ابن عباس وإبراهيم النخعي وقتادة : تفسير ابن كثير 2 / 549 .