ما كان للنبي أن يعرض عن هذا الأعمى ويعبس ويتولى ، فإن هذا الأعمى لأكرم عند اللّه بتقاه من أصحاب النسب والقوة والجاه ، وإن كل قيم الحياة لا يقام لها وزن متى تجردت من الإيمان وتعرّت من التقوى .
تلك هي حقيقة القيم ، أما حقيقة الحياة فقصة ذات مراحل وفصول ، تتراءى في فصولها كلها يد حانية لطيفة تدبر للأحياء ، في عالم الإنسان والحيوان ، طعامهم الذي يقيم أودهم ، ويحفظ صحتهم ، فتصب عليهم ماء السحاب صبا ، وتسلك هذا الماء ينابيع في الأرض ، ثم تتركه يتخلل التربة الخصبة وينفذ فيها ويشقها شقا ليعين النبات على النماء والانبثاق من التراب ، والامتداد في الهواء ، وإذا بالنبات يستحيل حبّا يقضم ، وعنبا يعصر ، أو فاكهة تؤكل غضة طرية ، أو زيتونا ينبت بالدهن ، أو نخلا باسقات ، وإذا بالحدائق التي ينبت فيها هذا النبات ملتفة الأشجار ، متشابكة الأغصان ، فيها من الثمار ما يتفكه به الإنسان ، ومن المرعى ما يسد حاجة الحيوان .
وكان ينبغي للإنسان أن يدرك حقيقة الحياة ، وحقيقة القيم ، لأنه الحي المجهز بكل أسباب الحياة ، ولكنه ظلوم جهول ، وجحود كفور ، فقد نسي أصل نشأته من نطفة من ماء مهين ، وتجاهل تكريم اللّه إياه بتيسير صعابه في درب الحياة ، وإيداعه جوف الأرض بعد الممات ، فقصر في أداء حق اللّه وقضاء واجبه نحو اللّه ، واسترسل في جحوده كأنه متروك سدى بلا حساب ولا عقاب .
فما أعجب حقيقة الإنسان ، وما أعجب كفر الإنسان ! ولكن حقيقة مذهلة كبرى تنتظر الإنسان يوم الهلع والفزع الأكبر ، يوم تقوم الساعة فتصخ الآذان صخّا ملحاحا ، فما يسمع الإنسان غير أصواتها النافذة العنيفة ، ويذهل بكر بها عن أقرب الناس إليه ، ولا يفكر إلا بنفسه ومصيره ، وللناس يومئذ صنفان من الوجوه : إما وجوه السعداء بتهللها ونورها وبشراها ، وإما وجوه الأشقياء بانقباضها وسوادها وحزنها ، فطوبى للمؤمنين وساءت مصائر الكفرة الفجرة « 1 » .
هامش
( 1 ) راجع تفسير هذه السورة في الطبري 30 / 32 وقارن بالزمخشري 4 / 184 .