تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مباحث في علوم القرآن — صفحة 197

مساهمون:

ص١٩٧
ويريد القرآن أن يعرض حقيقة الفطرة الإنسانيّة وهي قويمة سليمة ، وحقيقتها حين تنحرف عن الصراط المستقيم ، فيجعل سورة « التين » معرضا لهذا ، وفي إطار من القسم ببعض الثمار المباركة والأماكن المقدسة « 1 » يكرّم اللّه الإنسان ، ويمتنّ عليه بتكوينه الفطري المقوّم ، وتصويره الجسمي المعدّل ، والارتقاء به جسدا وروحا إلى المقام الأسنى ، ثم يلوّح باستعداده للهبوط النفسي ، والانحلال الخلقي ، والانحدار إلى أسفل سافلين إلا إذا أضاءت له الفطرة مسالك الحياة ، فبصّرته بحقيقة الإيمان ، ورغبته بصالح الأعمال ، وانتهت به إلى الكمال ، وأورثته جنات النعيم . فهل للإنسان بعد إدراك الحقيقة أن يطمس نور الفطرة فيكذّب بدين اللّه ، ويتجاهل حكمة اللّه ، وينساق مع غيّه وهواه « 2 » ؟ وفي آيات مدوية رهيبة تقذف الرعب في القلوب يصور القرآن مشهدا سريعا من مشاهد القيامة يقفيه بمشهد الجزاء والحساب . وذلك في سورة « القارعة » التي تقرع بهولها كل شيء ، حتى ليغدو الناس في غمراتها حيارى خفافا صغارا كالفراش المتهافت لا يعرف لم يطير ولا أين المصير ، وتمسي الجبال الرواسي هباء تذروه الرياح كالصوف المتطاير المنفوش ، فليتوقّع الإنسان في ذلك الهول المرهوب عيشة راضية إن أحسن عملا ، أو نارا حامية وهلاكا أبديّا إن أساء وكان شقيا .
هامش
( 1 ) الثمار المباركة إشارة إلى التين والزيتون . ولا سيما إذا كان المراد بهما منابتهما التي ترمز إلى جبل التين بجوار دمشق وجبل الزيتون في بيت المقدس ، والأماكن المقدسة إشارة إلى طور سيناء ومكة البلد الأمين . والخلاف في التين والزيتون مشهور ، بيد أنه يسعنا فيهما ما وسع إمام المفسرين الطبري إذ قال : « والصواب من القول في ذلك عندنا قول من قال : التين هو التين الذي يؤكل ، والزيتون هو الزيتون الذي يعصر منه الزيت ، لأن ذلك هو المعروف عند العرب . ولا يعرف جبل يسمى تينا ولا جبل يقال له زيتون ، إلا أن يقول قائل : أقسم ربنا جل ثناؤه بالتين والزيتون ، والمراد من الكلام القسم بمنابت التين ومنابت الزيتون » تفسير الطبري 30 / 154 . ( 2 ) راجع في تفسير هذه السورة الدر المنثور للسيوطي 4 / 365 والرازي 8 / 431 .
مباحث في علوم القرآن — صفحة 197 | صبحي الصالح