تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مباحث في علوم القرآن — صفحة 194

مساهمون:

ص١٩٤
ليعرف المشركون إذن حدود قدرتهم ، وليزدجروا عن غيهم ، وليذكروا كيف أباد اللّه المكذبين الجاحدين وأنزل بهم الخسف والدمار ، وليعلموا أن الخطر داهم ، وأن مصرعهم قريب ، وليسجدوا للّه قبل أن يقذف بالحق على باطلهم ، فتزهق أرواحهم وهم كافرون . * * * إن هذا لقليل من كثير مما انطوت عليه السور المكية في مرحلتها الأولى ، أبينا أن نستخلص ما فيه من أفكار وعقائد وتعاليم إلا مما ثبت لدينا - بعد أن ثبت للعلماء المحققين - أنه حقا من أوائل الوحي . وتحليلنا لتلك النوازل الأولى - وإن جاء خاطفا - كاف لإلقاء الضوء على الموضوعات المعروضة ، والمشاهد المصورة ، وكاف أيضا لتمييز هذه الزمرة القرآنية بخصائصها الأسلوبية عن الزمرتين المكّيتين التاليتين ، وعن الزمر المدنيات الثلاث ابتداء ووسطا وختاما . وكان يسيرا علينا أن نلاحظ - في سور هذه المرحلة الأولى كلها - أن الحديث عن الوحي والدين ، ووصف قدرة اللّه وآثار رحمته ، وتقرير النشأة الأخرى قياسا على النشأة الأولى ، وتصوير مشاهد القيامة ، وإنذار المشركين بمثل العذاب الدنيوي الذي أصاب المكذبين من قبل ، وتأكيد فكرة المسؤولية والثواب والعقاب ، وتسلية النبي على ما يلقاه من اضطهاد قومه له بوصف ما لقيه إخوانه الرسل من قبل ، والتصريح بوحدة الدين في أصول عقائده ، والتلويح بعالمية الدعوة المباركة وشمولها البشر جميعا ، كادت تؤلف الموضوعات البارزة وإن عرضت بأساليب مختلفة ، وإيقاعات موسيقية متباينة . وإنه ليسير علينا كذلك - لو عدنا إلى هاتيك السور نفسها فقرأناها واحدة واحدة - أن ندرك أن آياتها جميعا قصار ، وأنها شديدة الإيجاز ، وأن القسم فيها بمشاهد الكون كثير ، وأن صيغ الإنشاء فيها من أمر ونهي واستفهام وتمنّ ورجاء تتخلل مقاطعها وتزيدها حرارة ، وأن ألفاظها رشيقة منتقاة يسري التنغيم في أحرفها المهموسة تارة ، المجهورة تارة أخرى ، وأن فواصلها