وحقيقة ملك الوحي وأسلوب نزوله ، وتهكم بعبّاد الأوثان وسخرية بأصنامهم ، وتصحيح لعقائد العرب في الملائكة ، وإيماءة إلى حكمة اللّه من خلق الكون ، والتفاتة إلى اتفاق الرسالات جميعا على أصول العقائد ، وقواعد المسئوليّة والجزاء ، وإنذار للعابثين الضاحكين بقرب مصرعهم كما لقي مصرعه من قبل كلّ جبار عنيد .
أقسم اللّه بالنجم حين يهوي بعد تلألئه ، ويتدلى بعد أن كان في كبد السماء قصيا ، على أن محمدا مبلغ عن ربه ، مهتد لم يضل ، رشيد لم يعرف طريق الغواية ، بل صاحبه قومه المخاطبون بهذا الوحي عمرا من قبله فما عرفوا عليه من سوء ولا جربوا عليه كذبا ، فالوحي الذي ينزل عليه لا مراء فيه ، والملك الذي يحمله إليه شديد القوى عظيم الخلق ، يسد الأفق بمنظره المهيب « 1 » ، وقد تيسر لهذا النبي الأمي أن يلتقي به ، ويراه على صورته الحقيقية مرتين :
إحداهما في بدء الوحي حين التصق به وقرأ عليه القرآن ، وكانت رؤية يقينية قريبة استوثق منها القلب والبصر ، والأخرى ليلة الإسراء والمعراج حين رحل معه رحلة واقعية رأى خلالها آيات ربه الكبرى وبلغ سدرة المنتهى « 2 » التي ينتهي إليها المطاف ، وينتهي إليها علم الأولين والآخرين ، فإذا هي أقرب درجة إلى الفردوس جنة المتقين التي تأوي إليها أرواح الصدّيقين والملائكة
هامش
( 1 ) وهنا كذلك ذكر جبريل بأبرز صفاته ولم يذكر باسمه الصريح ، فأغنى مسماه عن اسمه ، وعوضت صورة خلقه كنه ذاته ، فكان في ذلك - كما رأينا في سورة « التكوير » - تدرج في إعلام المشركين بشيء من حقائق الغيب ، وتهويل في وصف ظاهرة من ظواهره المعجزة الفريدة .
( 2 ) إن عجبك لن ينقضي إذا علمت أن الأمير كايتاني يأبى أن يرى في هذه السورة ما يراه المفسرون المسلمون من المعنى الرمزي الديني ، ويصر - من غير برهان - على أنها موضع قريب من مكة يدعى « سدرة المنتهى » .
وانظر :caetani , annali dell'islam , 231