تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مباحث في علوم القرآن — صفحة 191

مساهمون:

ص١٩١
وفي سورة « العاديات » « 1 » يقسم اللّه بخيل الغارة التي تعدو في ساحة المعركة ضابحة صاخبة اللاهثة لأنفاس ، وتصكّ الصخر بحوافرها صكّا يقدح النار ويوري الشرر ، وتقتحم أرض العدو بغارة صباحية مفاجأة تثير بها الغبار ، وتتوسط الجموع وتجوس خلال الديار ، ثم تملأ الصفوف ذعرا وتلجئهم إلى الفرار « 2 » . . . يقسم اللّه بهذه الخيل العاديات الصاخبات الثائرات على أن الإنسان جاحد نعمة ربّه يقيم من نفسه شاهدا على جحوده ، ولا يحمله على هذا الكفر إلا ما فطر عليه من حب المال والخير ومتاع الحياة ، فليطلق الإنسان نفسه من أغلالها ، وليطف بخياله مشهد مصيره المحتوم ومصائر إخوانه البشر وأجمعين حين يبعثون من مراقدهم ، فتبعثر قبورهم ، وتحصل أسرار صدورهم ويخبرهم ربهم بكنودهم وجحودهم ، ويجزون سوء العذاب على ما قدمت أيديهم . وفي سورة « التكاثر » إنذار رهيب للغافلين اللاهين الذين يتكاثرون بالأموال والبنين ، حتى ينتهوا إلى زيارة المقابر الضيقة ، فلا يجدوا في حفرها المظلمة فرصة للتنافس . إن الهول الأكبر سيحيق بهم فيستيقظون على حقيقته الرهيبة بعد أن طالت سكراتهم ، ويرون الجحيم وعذابها بأم أعينهم ، ويستصغرون - وهم يعاينون العذاب المقيم - كل ما أصابوه من ألوان النعيم « 3 » . وفي سورة « النجم » « 4 » تصوير دقيق الحقيقة الوحي وطريقة تلقيه ،
هامش
( 1 ) راجع تفسيرها في ( الكشاف 4 / 328 ) . هذه الصورة الواضحة التي لا تصدق إلا على الخيل العادية الصاخبة المغيرة جملة وتفصيلا ظلت في نفوس بعض المستشرقين غامضة ، فلم ينتبهوا - وأنى لهم الذوق لينتبهوا ! - إلى ما ورد في الآيات من أصوات صاخبة ، وحوافر قادحة ، ونقع مثار ، وجمع منهزم يولي الأدبار ؛ وإذا هم يأخذون - كعادتهم - بأضعف الآراء ، فيجعلون العاديات ضبحا الإبل التي يفيض عليها الحجاج من عرفة إلى المزدلفة ، أو من المزدلفة إلى منى ، ويستأنسون على ذلك بمن أقسم من الشعراء « بالراقصات إلى منى » . ( 2 ) انظر :gaudefroy - demombynes , pelerinage , 256( 3 ) راجع تفسير سورة « التكاثر » في الكشاف 4 / 230 . ( 4 ) راجع تفسير الرازي 7 / 695 والنسفي 3 / 82 والطبري 27 / 24
مباحث في علوم القرآن — صفحة 191 | صبحي الصالح