تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مباحث في علوم القرآن — صفحة 189

مساهمون:

ص١٨٩
وفي هذا المقطع نفسه يذكّر اللّه أهل مكة بأن هذا الوحي لم يوجه إليهم وحدهم ، وما كان ليوجّه إليهم وحدهم ، بل هو دعوة عالمية « 1 » لا بد أن تنتصر مهما يقاوموها الآن ويطاردوا المؤمنين بها . وباب هذه الدعوة مفتوح على مصراعيه لكل من أراد أن يستقيم على الحق والهدى . أما الحقيقة الثالثة فقد ختمت بها سورة « التكوير » بآية واحدة حاسمة جازمة قررت بأن الإرادة الحقيقية الفاعلة هي إرادة اللّه ، فما لأحد إرادة منفصلة عن إرادة العليم الخبير ، بل هو الذي قدر فهدى ، وألهم الإنسان إرادة بها يختار لولاها لما شرّف بالتكليف . وفي سورة « الأعلى » « 2 » تمجيد لاسم الخالق الذي أتقن كل شيء ، ورسم له طريقه ، وهداه إلى غاية وجوده ، وعرض لبعض آثاره في خلقه حين قدّر لكل دابة في الأرض رزقها من مرعى أخضر ، أو غثاء ذاو ضارب إلى السواد ، وكفالة ربانية بتحفيظ النبي القرآن ونقشه في لوح قلبه من غير أن يبذل شيئا من الجهد في حفظه ، ومن غير أن يحتمل نسيان حرف واحد من لأن الحفظ كالنسيان أمران متعلقان بالمشيئة الإلهية الطليقة من كل قيد ، لا بالإنسان الذي يظل - مهما يسم - عرضة للسهو والنسيان ، وبشرى للنبي والمؤمنين بتيسيرهم لحمل هذه الدعوة اليسرى ، والنهوض بأماناتها الكبرى ، وتصوير لاختلاف وجهات الناس إزاء هذه الدعوة المباركة : فمنهم الذي يؤمن
هامش
( 1 ) لقد صرحت الآية في تلك الفترة المبكرة ، من أول مرحلة في مكة ، بأن هذه الدعوة الإسلامية عامة عالمية : فلا مجال لتفسير قوله تعالى هنا« إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ لِلْعالَمِينَ »بغير الذي ذكرناه من عالمية هذه الدعوة ، ولا مجال أيضا للظن بأن ليهود المدينة أثرا في مثل هذه القضية ، لأن العلماء جميعا متفقون على أن هذه السورة كلها مكية ، بل من سور المرحلة الأولى في مكة قطعا . والمستشرقون أنفسهم لم يجدوا هنا فرصة للغمز كعادتهم ، فقد رتبوا هذه السورة جميعا في أولى المراحل المكية ، إلا أن بعضهم تساءل : هل يمكن أن تفيد لفظة « العالمين » هنا معنى العموم المحلي لا معنى العالمية ؟ وهل تساوي مثلا لفظة «monde» في اللغة الفرنسية ؟ واعترفوا رغم تساؤلهم بأن هذه الآية ذات شأن عظيم في توضيح سعة الآفاق الإسلامية . انظر :blachere , trad . , ii , 39( 2 ) انظر تفسيرها في البيضاوي 11 / 398 والنسفي 4 / 260 .