تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مباحث في علوم القرآن — صفحة 162

مساهمون:

ص١٦٢
الإمام الزركشي حين عقد فصلا لخصوص السبب وعموم الصيغة ، ثم قال : « وقد يكون السبب خاصا والصيغة عامة ، لينبّه على أن العبرة بعموم اللفظ » « 1 » ، ثم استشهد بقول الزمخشري في « الهمزة » على النحو الذي رأيناه . على أن هذه « النماذج » الإنسانيّة المتكررة في كل جيل ، المتشابهة في كل بيئة . - وإن ظهرت كالمتخطية لكل زمان ومكان - خضعت أول ما خضعت لمناسبات وأسباب بتناولها أشخاصا معينين تناولا أوليّا مباشرا ، ولكنّ في القرآن أنماطا إنسانية أخرى مهما يجهد المفسرون أنفسهم لتعيين المقصودين بها لا يهتدوا إلى تعيينها سبيلا ، إذ وردت في القرآن حقا فوق الزمان والمكان والأشخاص ، ونزلت ابتداء - من غير أسباب ولا مقدمات ولا نطاق حاصر ولا محصور - كأنها لوحات فنية تصور الجنس الإنساني وحدة كاملة متشابهة أو أفرادا من هذا الجنس تفرّدت بملامح يحكي بعضها بعضا . . . ليقل المفسرون ما يحلو لهم في تأويل قوله تعالى :
« وَإِذا مَسَّ الْإِنْسانَ الضُّرُّ دَعانا لِجَنْبِهِ أَوْ قاعِداً أَوْ قائِماً . فَلَمَّا كَشَفْنا عَنْهُ ضُرَّهُ مَرَّ كَأَنْ لَمْ يَدْعُنا إِلى ضُرٍّ مَسَّهُ »
، فإن أحدا منهم لن يستطيع تعيين شخص مقصود بهذه الصورة الحية الفريدة ، وإن أحدا منهم - في نظري - لن يجد فيها أبدع ولا أروع ولا أصدق انطباقا على الواقع النفسي من قولة الكاتب الإسلامي المعاصر المبدع الأستاذ سيد قطب : « الإنسان هكذا حقا : حين يمسه الضر ، وتتعطل فيه دفعة الحياة ، يتلفت إلى الخلف ، ويتذكر القوة الكبرى ، ويلجأ عندئذ إليها ، فإذا انكشف الضر ، وزالت عوائق الحياة انطلقت الحيوية الدافعة في كيانه ، وهاجت دواعي الحياة فيه ، فلبّى دعاءها المستجاب ، و « مرّ » كأن لم يكن بالأمس شيء » ! « 2 »
هامش
( 1 ) البرهان 1 / 32 . ( 2 ) التصوير الفني في القرآن 178 . الطبعة الثانية . وأنصح القارئ بقراءة فصل « نماذج إنسانية » في هذا الكتاب فإنه يغني عن قراءة مجلدات ضخام في بلاغة العربية والقرآن .
مباحث في علوم القرآن — صفحة 162 | صبحي الصالح