تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مباحث في علوم القرآن — صفحة 151

مساهمون:

ص١٥١
حين يكون وجه المناسبة متوقّفا على معرفة الأسباب ، كما في آية « أداء الأمانات إلى أهلها » ، فلو لا التحقق من سببها لتعذر على القارئ العادي التماس وجه تناسبها مع السياق القرآني سابقه ولاحقه . وإن في تساؤل المفسرين - رغم ما جرت به عادتهم من الابتداء بذكر الأسباب - عن الأولى أن يبتدءوا به تقديم المناسبة أم تقديم السبب ، لإيحاء أقوى من التصريح بأن ارتباط آي القرآن ، وتناسق بعضها مع بعض ، واقتران كلماتها وجملها ، ومشاهدها وصورها ، علم عظيم أودعت فيه أكثر لطائف القرآن وروائعه ، وفسرت في ضوئه أكثر أحكامه وشرائعه . لذلك كان الإمام أبو بكر النيسابوري « 1 » الذي أظهر هذا العلم ببغداد يزري على علماء بلده لجهلهم وجوه المناسبة بين الآيات ، وكان لا يني يقول إذا قرئت عليه الآية أو السورة : لم جعلت هذه الآية إلى جنب هذه ؟ وما الحكمة في جعل هذه إلى جنب هذه السورة ؟ « 2 » . وفي صنيع أبي بكر النيسابوري هذا اتجاه جديد إلى الكشف عن الترابط بين السور إلى جانب الكشف عن التناسب بين الآيات . والحقّ أن الذي ينبغي التنقيب عنه والاستيثاق من نتائجه هو بالمقام الأول وجه المناسبة بين الآيات ، إذ يبحث أول كل شيء عن الآية : أمكملة لما قبلها أم مستقلة ؟ ثم المستقلة ما وجه مناسبتها لما قبلها ؟ ولم سيقت هذا المساق ؟ أما التماس أوجه الترابط بين السور - على ما فيه من تعسف وتكلف - فهو مبني على أن ترتيب السور توقيفي ، ولهذا انتصرنا وعليه عوّلنا « 3 » ، إلا أن ترتيب السور التوقيفي لا يستلزم حتما أن يكون بين كل سورة سابقة
هامش
( 1 ) هو الفقيه الشافعي الحافظ ، أبو بكر عبد اللّه بن محمد ، قرأ على المزني ، ثم صار إماما للشافعية بالعراق . توفي سنة 324 « شذرات الذهب 2 / 302 » . ( 2 ) البرهان 1 / 36 . ( 3 ) ارجع إلى ما فصلناه ص 69 - 71 من هذا الكتاب .
مباحث في علوم القرآن — صفحة 151 | صبحي الصالح