تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الإعجاز البياني للقرآن — صفحة 46

مساهمون:

ص٤٦
أساليبها بسليقتهم اللغوية . ومن هنا كان التوجيه القرآني - في آية التوبة - خاصّا بمن لم يسمعوا منهم كلام اللّه ، وليس بمن هم في المرتبة العليا من البلاغة :
وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلامَ اللَّهِ ثُمَّ أَبْلِغْهُ مَأْمَنَهُ ، ذلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لا يَعْلَمُونَ
. - 6 والذين بادروا منهم إلى الإيمان بالمعجزة ، لم يكونوا جميعا من صناع القول المشهود لهم بالمرتبة البلاغية العليا ، وإنما أدركوا بسليقتهم أن هذا القرآن معجز . والذين تأخر إسلامهم ، كانوا في الغالب ممن صدّوا عن سماع القرآن أو صدوا عنه ، ثم لما أصغوا إليه آمنوا به ، وليسوا جميعا شعراء وخطباء . أريد لأقرر أن القرآن لم يفرض إعجازه البياني من أول المبعث ، على هؤلاء الذين سبقوا إلى الإيمان به فحسب ، بل فرضه كذلك على من ظلوا على سفههم وشركهم ، عنادا وتمسكا بدين الآباء ونضالا عن أوضاع دينيه واقتصادية واجتماعية لم يكونوا يريدون لها أن تتغير . وقد أمعنوا في إيذاء المصطفى واضطهاد من آمنوا برسالته وما كان لديه صلى اللّه عليه وسلم ما يواجه به الوثنية الباغية في عنفوان شراستها ، سوى كلمات اللّه يتلوها فتزلزل صروح الوثنية وكأنها تريد أن تنقض . وفي الخبر أن من طواغيت قريش وصناديد الوثنية العتاة من كانوا يتسللون في أوائل عصر المبعث خفية عن قومهم ، ليسمعوا آيات هذا القرآن دون أن يملكوا إرادتهم : روى « ابن إسحاق » في السيرة أن أبا سفيان بن حرب الأموي ، وأبا جهل ابن هشام المخزومي ، والأخنس بن شريق الزهري ، خرجوا ذات ليلة متفرقين على غير موعد إلى حيث يستمعون من رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم وهو يصلى ويتلو القرآن في بيته . فأخذ كل رجل منهم مجلسا يستمع فيه ، ولا أحد منهم يعلم بمكان صاحبيه . فباتوا يستمعون إليه حتى إذا طلع الفجر تفرقوا فجمعهم الطريق فتلاوموا وقال بعضهم لبعض :