قرآن ، فكان أن فتحت يثرب بالقرآن ، قبل الهجرة بسنتين « 1 » .
هل فرض القرآن إعجازه على هؤلاء الذين استنارت بصائرهم فآمنوا بالمعجزة القرآنية بمجرد سماعهم آيات منها ، دون غيرهم ممن لجوا في العناد والتكذيب ؟
ذهب القاضي أبو بكر الباقلاني إلى هذا ، حين عدّ تفاوت العرب ، عصر المبعث ، في الفصاحة ، من الوجوه الصارفة عن الإسلام ، لمن ظلوا منهم على الشرك والتكذيب أمدا طال أو قصر .
ذكر آية التوبة :
وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلامَ اللَّهِ ثُمَّ أَبْلِغْهُ مَأْمَنَهُ ، ذلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لا يَعْلَمُونَ
فرأى فيها الدليل البين على أن فيهم من يكون سماعه إياه حجة عليه :
« فإن قيل : لو كان كذلك على ما قلتم ، لوجب أن يكون حال الفصحاء الذين كانوا في عصر النبي صلى اللّه عليه وسلم ، على طريقة واحدة عند سماعه .
« قيل له : لا يجب ذلك ، لأن صوارفهم كانت كثيرة : منها أنهم كانوا يشكّون ، ففيهم من يشك في إثبات الصانع ، وفيهم من يشك في التوحيد ، وفيهم من يشك في النبوة . . .
« فكانت وجوه شكوكهم مختلفة وطرق شبههم متباينة . فمنهم من قلّت شبهه وتأمل الحجة حق تأملها ولم يستكبر فأسلم . ومنهم من كثرت شبهه أو أعرض عن تأمل الحجة حق تأملها ، أو لم يكن في البلاغة على حدود النهاية فتطاول عليه الزمان إلى أن نظر واستبصر وراعى واعتبر ، واحتاج إلى أن يتأمل عجز غيره عن الإتيان بمثله ، فلذلك وقف أمره . . . ولو كانوا في الفصاحة على مرتبة واحدة ، وكانت صوارفهم وأسبابهم متفقة ، لتوافقوا إلى القبول جملة واحدة » « 2 » .
هامش
( 1 ) ابن إسحاق : الهشامية : 2 / 70 - 73 ، والخطابي : ص 71 من ( ثلاث رسائل في إعجاز القرآن ) ذخائر .
( 2 ) الباقلاني : إعجاز القرآن - ص 39 ، ط الذخائر .