تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الإعجاز البياني للقرآن — صفحة 44

مساهمون:

ص٤٤
وعاد الباقلاني فأكد هذا المعنى ، وأبعد فسوّى بين العربي الذي ليس في المرتبة العليا من الفصاحة والأعجمى . من حيث لا يتهيأ له « كما لا يتهيأ لمن كان لسانه غير العربية من العجم والترك وغيرهم ، أن يعرفوا إعجاز القرآن إلا بأن يعلموا أن العرب - البلغاء - قد عجزوا عن ذلك . . . « وكذلك نقول : إن من كان من أهل اللسان العربي إلا أنه ليس يبلغ في الفصاحة الحد الذي يتناهى إلى معرفة أساليب الكلام ووجوه تعرف اللغة وما يعدونه فصيحا بليغا بارعا من غيره ، فهو كالأعجمى في أنه لا يمكنه أن يعرف إعجاز القرآن إلا بمثل ما بينا أن يعرف به الفارسي الذي بدأنا بذكره . وهو - أي العربي غير البليغ - ومن ليس من أهل اللسان ، سواء » . ص 171 وفي هذا الكلام نظر ، من حيث أن العرب في عصر المبعث فصحاء ، وهم وإن تفاوتوا في مراتب البلاغة والاقتدار على فن القول ، وتميز منهم خاصة من خطباء بلغاء وشعراء فحول ، فما كانوا بحيث يغيب عنهم جيد القول من رديئه ، وعاليه من هابطه ، أو يفوتهم حسّ لغتهم في ذوقها وبيانها . شأنهم في هذا شأن « أم جندب » : لم تعرف لها مشاركة في قول الشعر ولا كان لها حظ منه ، ولكنها بحسها اللغوي المرهف سليقة وطبعا ، استطاعت أن تميز مواضع الضعف والقوة في قصيدتي امرئ القيس وعلقمة بن عبدة الفحل ، في وصف الخيل « 1 » . فعامة العرب في عصر المبعث ، مهما يتفاوتوا في البلاغة والاقتدار على فن القول ، كانت لهم هذه الحاسة النقدية التي أرهفتها سليقة لغوية أصيلة لم تفسد . وأرى الباقلاني قد خلط هنا بين الفصاحة وبين القدرة البلاغية : فالفصاحة عامة في العرب قبل أن يخرجوا من جزيرتهم ويخالطوا غيرهم من الأمم مخالطة لغوية . وقد اعتمد علماء اللغة ما سمع من عرب الجاهلية وعصر المبعث ، حجة في الفصاحة ، دون أن يفوت اللغويين في تدوينهم معجم
هامش
( 1 ) انظر مناقشتى لمن أنكروا أن تكون القصة حدثت ، وذهبوا إلى عدها من منحولات الرواة ، في الباب الثاني من كتابي ( الخنساء ) ط . دار المعارف .