حياتنا عقمت ، فليس لها أن تعرف من الإعجاز ، غير ما قاله قائل منذ عشرة قرون ! * * * ونبدأ نحن من حيث انتهى السلف ، وتراثهم بين أيدينا علامات على الطريق ، لا نغض من قيمته ولا نحط من أقدار أهله ، وإنما نرى في كل منهم جهد عصر ومستوى بيئة ، وحتمية تقدم وسنّة حياة .
ونمضى ونترك للأجيال بعدنا ما نترك ، والباب مفتوح أبدا ليس لأحد أن يدعى أنه أغلقه ، والمجال رحب يتلقى كل حين جديدا لن يلبث أن يصير من القديم ، دون أن تسلم الحياة بأن أحدا قال الكلمة الأخيرة فيه .
لقد قالها الجاحظ من قديم وهو يقدم كتابه ( نظم القرآن ) إلى الفتح ابن خاقان ، وقالها الباقلاني من بعده ، والجرجاني وابن حزم والرازي والعلوي والبقاعى . . . فما لبث الزمن أن نسخ ما قالوا .
وكذلك قالها الرافعي في كتابه الذي بدا لسعد زغلول « كأنه تنزيل من التنزيل » وأوجب يعقوب صروف « على كل مسلم عنده نسخة من القرآن ، أن يقتنى نسخة منه » .
فما مضت أعوام حتى جاء من لم ير كتابا ظهر في الإعجاز بعد كتاب الباقلاني من القرن الرابع للهجرة ! * * * فإن تكن الخصومة المذهبية والفكرية فيما مضى ، قد وضعت قضية الإعجاز في دوامة الصراع المذهبى والجدل الكلامي والعداوة الشخصية ، فإنا نعود بعد هذا كله فنقول ما قلناه في مستهل هذا المدخل :
لعل من إعجاز القرآن أن تظل الأجيال تتوارد عليه جيلا بعد جيل ، وهو رحب المدى سخى المورد ، كلما حسب جيل أنه بلغ منه مبلغا ، امتد الأفق بعيدا وراء كل مطمح وفوق كل طاقة . . .
الإعجاز البياني للقرآن — صفحة 34
مساهمون: عائشة عبد الرحمن ( بنت الشاطئ )
ص٣٤