تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الإعجاز البياني للقرآن — صفحة 204

مساهمون:

ص٢٠٤
إبعاد الإيمان عما قبله ، والتراخي في الرتبة لا الترتيب . قالوا : إن « ثم » جئ بها هنا قصدا إلى إبعاد الإيمان عن فك رقبة أو إطعام يتيم أو مسكين ، كيلا يكون معهما في رتبة واحدة . ونص عبارة « الزمخشري » في ( الكشاف ) : « جاء ب ( ثم ) لتراخى الإيمان وتباعده في الفضيلة والرتبة عن العتق والصدقة ، لا في الوقت . لأن الإيمان هو السابق المقدم على غيره ، ولا يثبت عمل صالح إلا به » . وإلى مثل هذا ذهب « أبو حيان » وزاده تفصيلا فقال : « ثم : لتراخى الإيمان في الفضيلة لا للتراخى في الزمان ، لأنه لا بدّ أن يسبق تلك الأعمال الحسنة الإيمان ، إذ هو شرط في صحة وقوعها من الطائع . أو يكون المعنى : ثم كان في عاقبة أمره من الذين وافوا الموت على الإيمان إذ الموافاة عليه شرط في الانتفاع بالطاعات ، أو يكون التراخي في الذكر ، كأنه قيل : ثم اذكر أنه كان من الذين آمنوا . . . » « 1 » . * * * وبعيدا عن مثل هذه التأويلات ، نأخذ حرف « ثم » على صريح معناه في السياق ، فنفهم أن القرآن إذ يرتب مراحل اقتحام العقبة الجدير بالإنسان المميز أن يكابده ، يضع العتق والتراحم خطوتين سابقتين على الإيمان لازمتين له ، مقررا بذلك أن الإيمان لا يرجى فيمن يتسلط على عباد اللّه بالاسترقاق ، أو يتحجر قلبه فيطيق في يوم ذي مسغبة ، جوع يتيم ذي مقربة أو مسكين ذي متربة . فلا موضع لإيمان صادق ، من مثل هذا الجاحد القاسى ، يستعبد الخلق ويغفل عن حق اليتيم القريب أو المسكين في يوم مجاعة ! . ويؤنس إلى هذا الفهم لحرف « ثم » آية الماعون :
أَ رَأَيْتَ الَّذِي يُكَذِّبُ بِالدِّينِ * فَذلِكَ الَّذِي يَدُعُّ الْيَتِيمَ * وَلا يَحُضُّ عَلى طَعامِ الْمِسْكِينِ
هامش
( 1 ) البحر المحيط : الجزء الثامن ( سورة البلد )