مبتدعة ، فبعيد « وإن أراد من قال : « إن وجه إعجاز القرآن النظم المخصوص » هذا المعنى ، وهو أنه تعالى خصه بالقرآن على نظام لم تجر العادة بمثله ، مع اختصاصه برتبة في الفصاحة - معجزة - فهو الذي بيّناه . لأن خروجه عن العادة في الفصاحة ، يوجب كونه معجزا ، بانفراده واختصاصه بنظم ، من دون هذا الوجه لا يوجب كونه معجزا . وإنما يقوى ويؤكد كونه معجزا فإن سلّم هذا المخالف بما ذكرناه ، فهو الذي نصرناه .
« فإن قال : إنه يكون معجزا للنظم فقط ، ولكونه على هذه الطريقة المباينة لمنظوم كلامهم ومنثوره ، وإن لم يختص برتبة الفصاحة ، فالذي قدمناه يبطله . ومتى اعتبر في كونه معجزا كلا الأمرين : فإن أراد أنه بمجموعهما يتم ذلك ، فقد بينا أنه قد يتم بأن يبين من كلامهم برتبة عظيمة في الفصاحة . وإن أراد أنه يؤكد ذلك فهو صحيح ، وهذا هو الأقرب . لأنهم لا يريدون النظام دون رتبة الفصاحة ، وإنما يريدون بذلك أنه تعالى جاء بالقرآن على أوكد الوجوه في نقض العادة والمباينة ، وأوكدها أن يكون نظاما مباينا لما تعارفوه ، مع رتبته العظيمة في الفصاحة ، وهذا بيّن » « 1 » .
ولم ير « القاضي عبد الجبار » أن إبدال لفظة بأخرى موضع تعلق ، « وذلك لأن هذه الطريقة تقارب الحكاية ، فكما أن حكاية الكلام لا تدل على معرفة ، فكذلك وضع لفظة بدل أخرى ووزنهما واحد ، لا يدل على المعرفة . وإن كان من يتمكن في هذا الباب ، لا بد من أن يكون له قدر من العلم بالألفاظ التي تتفق معانيها وأوزانها ، حتى يمكنه أن يأتي بدل واحدة منها ما يماثلها أو يقاربها ، لكن هذا القدر من العلم لا يكفى في التصرف المخصوص الذي قدمنا ذكره ، لأنه يحتاج في ذلك إلى قدر مخصوص من العلم زائد على ذلك ، حتى يمكنه أن يورد هذا القدر من الفصاحة ، وبذلك أبطلنا قول من يقول : إن المفحم يمكنه قول الشعر على هذه الطريقة ؛ لأن إبدال الكلمات لا يعد تمكينا من الشعر وإن كان الكلام شعرا .
حتى إذا صح منه أن يبتدئ ذلك ويتصرف فيه ، عدّ ذلك منه شعرا » « 1 » .
هامش
( 1 ) المغنى : 16 / 321 ، 230 .