تخطي إلى المحتوى الرئيسي

وضوء النبي ( ص ) من خلال ملابسات التشريع — صفحة 320

مساهمون:

ص٣٢٠
فإنّ الإمام أبا حنيفة كان من أوائل الذين تقدّموا لمبايعة أبي العبّاس السفّاح في جملة من بايعه من الفقهاء ، حيث أنّ الناس كانوا يتشوّقون لحكم وعدهم بإقامة العدل والسنّة لينقذهم من جور الأمويّين . لكنّ أبا حنيفة سرعان ما أدرك انحراف العبّاسيّين وشراءهم لضمائر بعض الفقهاء والعلماء ، فابتعد عن السلطة ورفض أن يتولّى القضاء للمنصور العبّاسيّ رغم كلّ السبل التي اقتفاها لاحتوائه ، فكلّما ازدادوا إلحاحاً عليه ازداد ابتعاداً عنهم ورفضاً لتولّي القضاء ، حتّى وصل الأمر إلى سجنه وتعذيبه ، وقيل : انّه مات مسموماً على أيدي العبّاسيّين . وعلى كلّ حال فإنّه لم يدوّن فقهه للسلطان ولا لغيره ، اللّهمّ إلّا وريقات باسم « الفقه الأكبر » في العقائد نسبت إليه ، ولم يصحّ ذلك على وجه القطع واليقين . ثمّ إنّ السلطات بعد وفاة الإمام أبي حنيفة استطاعت أن تحتوي اثنين من أكبر تلامذته ، هما : أبو يوسف القاضي ، ومحمّد بن الحسن الشيبانيّ اللذين كانا ينسبان كلّ ما وصلا إليه من رأي إلى أبي حنيفة ! وكان أبو يوسف قد انضمَّ إلى السلطة العبّاسيّة أيّام المهديّ العبّاسيّ سنة 158 وظلّ على ولائه أيّام الهادي والرشيد ! وقد ذكر المؤرّخون سبب اتّصال أبي يوسف بالرشيد وتوثيق علاقاته معه : أنّ بعض القوّاد حنث في يمين ، فطلب فقيهاً يستفتيه فيها ، فجيء بأبي يوسف ، فأفتاه أنَّه لم يحنث ، فوهب له دنانير وأخذ له داراً بالقرب منه واتّصل به . فدخل القائد يوماً على الرشيد فوجده مغموماً ، فسأله عن سبب غمّه ، فقال : شي من أمر الدين قد حزبني ، فاطلب لي فقيهاً أستفتيه ؛ فجاءه بأبي يوسف .