لكنّا نرجّح أن يكون - الطلب مضافاً إلى ما قيل - كان يخضع إلى عامل سياسيّ آخر ، أملته عليهم الظروف السياسيّة الحاكمة آنذاك ، خصوصاً بعد قيام النفس الزكيّة في المدينة وأخيه إبراهيم في البصرة ، فالمنصور قد شدّد سياسته ضدّ العلويين بعد الظفر بمحمّد وأخيه إبراهيم ، وانّك ستقف لاحقاً على نماذج من تلك السياسة المبتنية على الرعب والإرهاب وأساليب كشف المخالفين والمناوئين وفق عباداتهم وفقههم ، وبذلك يحتمل أن يكون طلب المنصور من مالك تدوين السنّة جاء لتأصيل الفقه والحديث وتوحيد العلم وإبعاد فقه الطالبيّين واعتبار آرائهم شواذّ من بين الآراء .
هذا والمعروف انّ مالكاً قد وضع الموطّأ وما كان يفرغ منه حتّى مات المنصور « 1 » ، أي أنّه ألّفه في أواخر عهد المنصور .
موقف آخر
جاء في غالب كتب التاريخ أنّ سفيان الثوريّ لقي المنصور بمنى سنة 140 أو 144 واعترض على إسراف المنصور وتبذيره . .
فقال له المنصور : فإنّما تريد أن أكون مثلك ؟
فقال الثوريّ : لا تكن مثلي ، ولكن كن دون ما أنت منه ، وفوق ما أنا فيه
فقال له المنصور : أُخرج .
فخرج الثوريّ من عنده وأتى الكوفة فجعل يأخذ عليه ما يفعل بالمسلمين من الجور والقهر ، فصبر عليه المنصور مدّة ، وأخيراً أمر بأخذه ،
هامش
( 1 ) انظر : حياة مالك لأبي زهرة : 180 ، ترتيب المدارك 1 : 192 .