قولًا تعدّوا فيه طورهم .
فقال المنصور : أمّا أهل العراق فلا أقبل منهم صِرْفاً ولا عدلًا ، وأمّا العلم عند أهل المدينة ، فضع للناس العلم « 1 » .
فإنّ جملة المنصور : ( أمّا أهل العراق فلا أقبل منهم صرفاً ولا عدلًا ) فيها إشارة إلى يأسه منهم لكونهم علويين عقيدةً ، ولوجود أبي حنيفة بينهم الذي لم يكن على وفاق مع الحكّام .
ولأجل ذلك نرى المنصور يولي مالكاً عناية خاصّة ويطلب منه أن يكتب الموطّأ ويقول له : ( لنحمل الناس إن شاء اللَّه على علمك وكتبك ونبثّها في الأمصار ، ونعهد إليهم ألَا يخالفوها ، ولا يقضوا بسواها ) .
قال صاحب كتاب « موقف الخلفاء العبّاسيّين من أئمّة المذاهب الأربعة » :
فإذا تأمّلنا آراء مالك فيما يتعلّق بقضيّة التفضيل بين الخلفاء الراشدين ، نجد الإمام ينفرد عن غيره ، فهو يرى أنّهم ثلاثة لا أربعة ، وهو يجعل خلافة الراشدين في أبي بكر وعمر وعثمان ، ويجعلهم في مرتبة دونها سائر الناس . وأمّا عليّ فإنّه في نظره واحد من جملة الصحابة ، لا يزيد عنهم بشيء « 2 » .
وقد عزا البعض من الكتّاب سبب تعديل المنصور سياسته نحو أهل الأثر وتقريبه لمالك بن أنس والطلب من مالك أن يضع الموطّأ بقوله « ضعه فما أحد أعلم منك « 3 » » انّه كان خوفاً من ازدياد نفوذ الإمام الصادق سياسيّاً وعلميّاً ، إذ انّ اجتماع أربعة آلاف راوٍ عنده كلّ يوم يأخذون عنه العلم لم يكن بالشيء السهل على الخليفة ، وانّ تقوية هذه الحلقة تعني تضعيف المخطّط الحكوميّ والسياسة العامّة للبلاد « 4 » .
هامش
( 1 ) انظر : الإمام مالك للدكتور مصطفى الشكعة : 133 ، عن ترتيب المدارك : 30 - 33 .
( 2 ) موقف الخلفاء العبّاسيّين : 170 .
( 3 ) انظر : الأئمّة الأربعة للشرباصيّ : 92 ، إسلام بلا مذاهب : 415 ، الأئمة الأربعة لشكعة : 412 .
( 4 ) انظر : مالك بن أنس للخولي : 371 .