وبهذا اتّضح بأنّ الحكّام كانوا يستغلّون الشريعة لمصالحهم السياسية ولكشف المخالفين ، وأنّ العبّاسيين كانوا أذكى في تعاملهم في هذه المسألة من الأمويين إذ كانوا يفرضون آراءهم تحت غطاء البحوث العلميّة والمناقشات الحرّة ليتصيّدوا في الماء العكر .
مطارحةٌ بين الصادق وأبي حنيفة
نقل الإمام أبو حنيفة قصّة حواره مع الإمام جعفر بن محمّد الصادق فقال :
قال لي أبو جعفر المنصور : يا أبا حنيفة إنّ الناس قد فُتنوا بجعفر بن محمّد فهيّئ له من المسائل الشداد . فهيأت له أربعين مسألة ، والتقينا بالحيرة .
ثمّ قال : أتيته ، فدخلت عليه وجعفر بن محمّد عن يمينه ، فلمّا بصرت به دخلني من الهيبة لجعفر بن محمّد ما لم يدخلني لأبي جعفر المنصور ، فسلمت عليه ، وأومأ ، فجلست ، ثمّ التفتَ إليه وقال : يا أبا عبد اللَّه هذا أبو حنيفة ! فقال :
نعم ، ثمّ التفتَ إليّ فقال : يا أبا حنيفة ألقِ على أبي عبد اللَّه من مسائلك . فجعلت ألقي عليه فيجيبني ، فيقول : أنتم تقولون كذا ، وأهل المدينة يقولون كذا ، ونحن نقول كذا ، فربّما تابعنا ، وربّما تابعهم ، وربّما خالفنا جميعاً ، حتّى أتيت على الأربعين مسألة ، وما أخلّ منها بمسألة .
ثمّ قال أبو حنيفة : انّ أعلم الناس أعلمهم باختلاف الناس « 1 » .
والنصّ السابق يوقفنا على عدّة أُمور :
1 - استغلال المنصور الإمام أبا حنيفة رغم كونه من المخالفين للحكّام ومن الذين لم يقبلوا مهنة القضاء في العهدين الأمويّ والعبّاسيّ ، أمّا حينما دخل الاقتراح تحت إطار النقاش العلميّ بين الأئمّة وبيان الاقتدار الفقهيّ ، فإنّ أبا
هامش
( 1 ) انظر : الإمام الصادق والمذاهب الأربعة 1 : 53 ، عن مناقب أبي حنيفة للموفق 1 : 73 ، جامع أسانيد أبي حنيفة 1 : 222 . وانظر تذكرة الحفّاظ 1 : 166 - 167 .