بالشريعة خير طريقة للتعرّف على مخالفيهم وخصومهم ، وقد مرّ عليك سابقاً كيفيّة تشخيص ابن أبي سرح - والي عثمان على مصر - لمحمّد بن أبي حذيفة على أنّه من مخالفي عثمان وذلك على أثر تكبيرة الإحرام أو الجهر بالقراءة والبسملة .
وقد عرفت أنّ الصحابة كانوا يعترضون على هذه السياسة ، وقد أرسلوا وفداً إلى عثمان بسبب تغيير ابن أبي سرح أوقات الصلاة ليتعرّف عن طريق هذا الأُسلوب على مخالفيهم .
فالحكّام - وكما قلنا - كانوا يريدون التعرّف على من يخالفهم في الرأي بتأكيدهم على بعض المفردات العباديّة المختلف فيها بين الصحابة ، إذ إنّ الملتزم بخطّ السنّة النبويّة لا يمكنه - رغم كلّ الظروف - أن يتخلّى عمّا يعتقد به إلّا أن تكون حالة خاصّة تستوجب التستّر دفعاً للتهلكة عن النفس .
وعليه ، فقد عرفت انّ الدعوة للأخذ بالأحكام السلطانية واتّباع الحاكم « وان ضرب ظهرك وأخذ مالك » هي دعوة سلطويّة بذرت نواتها في أواخر عهد الشيخين وعهد عثمان ، ثمّ نَمَت في العهد الأمويّ ، ونضجت في العهد العبّاسيّ . ويؤكّد هذ المعنى قضايا كثيرة منها دعوة عبد اللَّه بن عمر الأُمّة إلى الأخذ بفقه عبد الملك بن مروان ، وكلام سعيد بن جبير عن رجاء بن حيوة - أحد الفقهاء السبعة في العهد الأمويّ - وقوله : ولكن كنت إذا حرّكته وجدته شاميّاً يقول قضى عبد الملك بن مروان بكذا وكذا .
وإنّ منادي الدولة الأمويّة كان ينادي : أن لا يفتي إلّا عطاء بن رباح ، ومنادي الدولة العبّاسيّة : ألَا لا يفتي الناس إلّا مالك بن أنس وابن أبي ذؤيب .
ومنها إرسال نافع الديلمي مولى ابن عمر إلى مصر ليعلّمهم السنن ، وتصدّر سليمان بن أبي موسى ومكحول للإفتاء بدمشق ، وما قاله الذهبيّ عن عبد اللَّه بن ذكوان وانّه : وَلِيَ بعض أُمور بني أُميّة .
وضوء النبي ( ص ) من خلال ملابسات التشريع — صفحة 285
مساهمون: السيد علي الشهرستاني
ص٢٨٥