تخطي إلى المحتوى الرئيسي

وضوء النبي ( ص ) — صفحة 329

مساهمون:

ص٣٢٩
جهة . ومن جهة ثانية ، كان الإمام أبو حنيفة يعيش في الكوفة ، ويرى انّ غالب أهلها علويّون فكرا ، فكان عليه أن يتسلّح بسلاح الحديث والمأثور إلى جوار ما يحمله من الاستدلال والرأي ، فذهب إلى المدينة للاستزادة من حديث محمّد الباقر وجعفر الصادق لتقوية مكانته الاجتماعيّة في الكوفة أكثر من ذي قبل . قال المستشرق رونلد سن : إنّ الشيعة كانوا يحترمون ويجلّون أبا حنيفة لصلاته الودّيّة بالإمام جعفر الصادق ، وقد ازداد إعجابهم به حينما قال عن العبّاسيين : إنّهم لو أرادوا بناء مسجد وأمروه بإحصاء الآجر فإنّه لا يفعل ، لأنّهم فاسقون والفاسق لا يتولّى الإمامة « 1 » . أمّا الإمامان الباقر والصادق فكانا يتخوّفان على شيعتهم من الإمام أبي حنيفة وأشاروا عليهم بالحيطة والحذر من آرائه لمخالفتها أصول مدرستهم ( مدرسة السنّة والتعبّد ) بل ولموافقة اجتهاد الإمام أبي حنيفة للرأي والقياس ، في حين يرى أهل البيت أنّ دين اللَّه - أي التشريع - لا يقاس بالعقول . هذا وانّ القول بالرأي لا يدلّ على كون قائله من المتأثّرين بالحكومة قطعا ، أو هو من أتباع السياسة الأمويّة بل انّ الفقيه قد يوافق السلطان في رأيه وقد لا يوافقه ، ومن ذلك ما قلناه في مسألة الوضوء العثمانيّ ، فإنّ ذهاب أبي حنيفة إلى وضوء عثمان لا يعني انّه قد استجاب للسلطان أو تأثّر بالأجواء الحاكمة ، بل انّه تبنّى هذه الوجهة لموافقتها للأصول التي رسمها لنفسه وبنى عليها فقهه . وعليه ، فإنّ توافق الآراء بين أبو حنيفة والحكومة لا يعنى تطابق السياسة والمنحى ، وقد عرف عن الإمام أبي حنيفة انّه كان الوحيد في الكوفة الذي يترحّم على عثمان بن عفّان . وقد نقل سعيد بن عروبة ذلك بقوله : ( قدمت الكوفة ، فحضرت مجلس أبي حنيفة ، فذكر يوما عثمان فترحّم عليه . فقلت له : وأنت يرحمك اللَّه ! ! فما سمعت أحدا في هذا البلد يترحّم على عثمان
هامش
( 1 ) عقيدة الشيعة : 143 .