في ذلك أن أقف عند أمرين مهمين ، هما :
الأول : عبادية الدعاء .
الثاني : الدعاء للغير .
أما عبادية الدعاء ، فقد تقدّم منّا بيان كون الدعاء هو مُخّ العبادة ، وهذا الأمر يدعونا إلى ضرورة فَهْم حقيقة العبادة لنعرفَ مكانةَ الدعاء من ذلك .
أمَّا حقيقة العبادة فهي بعبارة مُوجزة : الطاعةُ التامّةُ لله تعالى وفق رسوم العبودية التي ألزمَنا بها العقلُ ورسم ملامحَها الشارعُ المقدَّس ، ومقتضى الطاعة التامّة هو عدم التفات القلب إلى غير الله تعالى البتّة ، وإلا
سوف تُخدش تمامية الطاعة ، وبمقتضى ذلك لابدّ للداعي أن يفهم هذه الحقيقة الناصعة التي هي مفاد العبادة التامّة ، وحيث إنّ العبد خطّاءٌ ومُقترفٌ للذنوب فإنه لابدّ له إذا ما أراد أن يدعوَ ربه أن يتوب ويستغفرَ ربّه بخلوص ، فما لم يفعل ذلك فإنه يكون قد سُلبَ موضوعَ الاستجابة ، بل سوف يكون دعاؤه بلا موضوعٍ ، وعندئذٍ سوف يكون مُجردَ مُكاءٍ وتصديةٍ ولقلقة لسان .
وعليه فلابدَّ أن تكون قلوبُنا تائبةً طاهرةً ، وألسنتُنا زكيةً عند التوجّهِ بالدعاء للباري تباركت أسماؤه ، وقد ورد في الأخبار : « أنَّ الله عزَّ وجلَّ أوحى إلى موسى ( عليه السلام ) :
ادعُني بلسانٍ لم تعصني به ،
فقال : أنَّى لي بذلك ؟ فقال :
ادعني بلسانِ غيرك » « 1 » .
وأمّا الدعاء للغير ، فهو أمرٌ في غاية الأهمية ، فإنّنا نعلمُ جميعاً بأنّ
هامش
( 1 ) بحار الأنوار ، مصدر سابق : ج 90 ص 390 .