وهذا ما حدث لهاجر زوجة النبي إبراهيم عليه السلام المؤمنة باللَّه الطائعة لأمره وأمر نبيه ، والدة إسماعيل عليه السلام الحليم الممتثل لأوامر اللَّه تعالى ، وصاحب تلك الإطاعة المثالية في الذبح وبناء الكعبة وغيرها من الأمور . . .
ولمثالية النبي إسماعيل عليه السلام وسلوكه القويم منحه اللَّه تعالى ولاية أقدس بقعة من بقاع الأرض ، وأحبّ بقاع الأرض إلى اللَّه ، الكعبة الشريفة ومن بعده ولاية أبنائه عليها . . .
وإذا رجعنا إلى قصة إبراهيم عليه السلام وزوجه هاجر ووحيدهما إسماعيل عليه السلام والمكان المقفر الذي أُنزلوا فيه ، فسنجد الحكمة والموعظة والمعجزة .
لقد استجاب النبي إبراهيم عليه السلام لأمر ربه الكريم ، إذ أخذ هاجر وطفلها الرضيع إسماعيل من الشام إلى أرضٍ قفراء خالية بعيدة عن العمران ، ولا ماء ولا غذاء ، فأنزلهما وقفل راجعاً ، تبعته هاجر ملتاعة وقالت له ، إلى أين تذهب ؟
ولمن تتركنا بهذا الوادي الموحش المقفر ؟ قالت له ذلك مراراً خائفة وجلة ، مستعطفة ، وهو يمضي في سبيله ، عندئذ قالت : اللَّه آمرك بهذا ؟ قال : نعم ، قالت :
إذن لا يضيعنا اللَّه ، وحُسن ظنها وإيمانها باللَّه تعالى طمأن قلبها ، وقيل : إن جبرئيل عليه السلام طمأن قلبها ، أن أخبرها أنّ هذا المكان سيكون مكان خير وبركة ومهوى الأفئدة .
وقد خطهُ اللَّه تعالى لها ولابنها أن جعل البركة في إسماعيل وحيدها ، وجعله أمة ، وجعل ذلك المكان المفقر تهوي إليه أفئدة الناس ، وجعل الخير والبركة والأمن والأمان فيه .
عن ابن عباس قال : لما أخرج اللَّه تعالى ماء زمزم لأم إسماعيل ، فبينا هي على ذلك إذ مرَّ ركب من جرهم قافلين من الشام في الطريق السفلى فرأى الركب الطير على الماء ، فقال بعضهم : ما كان بهذا الوادي من ماء ولا أنيس ، يقول ابن عباس ،
الحج عبر الحضارات والأمم — صفحة 231
مساهمون: محسن الأسدي
ص٢٣١