فمن أراد أن يرفع عمله وعبادته ، لا يرفعه من خلال البُعد الكمّي ، بل من خلال البُعد الكيفي ، ويتحصّل ذلك برفع درجة المعرفة بالله سبحانه وتعالى .
ومن هذه المقدّمة يتّضح لنا أصلان :
الأصل الأوّل : أنّ الهدف من خلق الإنسان هو العبادة .
الأصل الثاني : أنّ هذه العبادة لا يمكن أن توصل إلى الله وإلى مقام القُرب إلّا إذا كانت ناتجة عن معرفة الله تعالى .
وبناءً على ذلك ، انبثق اتّجاهان أساسيّان في معرفة الله سبحانه وتعالى :
الاتّجاه الأوّل : هو الاتّجاه الذي اعتقد به غالبيّة علماء المسلمين ، من علماء أهل السنّة ، ومن الأشاعرة ، ومن المعتزلة والإماميّة والصوفيّة ، ومن الفلاسفة والمتكلِّمين ، وهم الغالبية العظمى من جمهور المسلمين وعلمائهم .
الاتّجاه الثاني : وهو الذي ذهب إليه أقلّية من العلماء - والتعبير عنهم بالعلماء من باب المسامحة في التعبير - وبعض المتكلِّمين ، وهؤلاء لا يتجاوزون عدد أصابع اليد ، وإذا ما أردنا احتسابهم فلن يصلوا إلى الثلاثين .
ونقاشنا هنا ليس مع أصحاب الاتّجاه الأوّل بل مع أصحاب الاتّجاه الثاني .
فما الذي يقوله أصحاب هذا الاتّجاه في معرفة الله تعالى ؟
يعتقد أصحاب الاتّجاه الثاني بأنّ جميع الصفات الواردة في القرآن الكريم لله تعالى ، وكذلك الصفات الإلهيّة التي وردت في الأحاديث المنسوبة إلى النبيّ ( ص ) ، والتي بظاهرها تُوحي بالتشبيه ، أو بالتجسيم ، ينبغي حملها على
ظاهرها ، ونتج عن ذلك الاعتقاد بأنّ الله سبحانه وتعالى له جسم ، وله مكان ، وله حيّز ، وله جهة ، ويشار إليه بالإشارة الحسيّة ، وأنّه سبحانه وتعالى
التوحيد عند الشيخ ابن تيميه — صفحة 47
مساهمون: السيد كمال الحيدري
ص٤٧