النقطة الثالثة : أنّ ابن تيميّة يصرّح في مواضع متعدّدة بأنّ إثبات الجسميّة بدعة وكذلك نفي الجسميّة ، ولكنّه يخرج عن هذا المبدأ ويثبت الجسميّة بشكل واضح وصريح ؛ يقول في ( بيان تلبيس الجهميّة ) : ( إنّ لفظ الجسم والعرض والمتحيّز ونحو ذلك ألفاظ اصطلاحيّة ، وقد قدّمنا غير مرّة أنّ السلف والأئمّة لم يتكلّموا في ذلك ، في حقّ الله لا بنفي ولا إثبات ، بل بدّعوا أهل الكلام بذلك وذمّوهم غاية الذمّ ) « 1 » .
وعندما التفت ابن تيميّة إلى ذلك مع كونه يثبت الجسميّة حاول حلّ هذه الإشكاليّة في كتابه ( درء تعارض العقل والنقل ) من خلال الجواب بأنّه ليس كلّ بدعة ضلالة ، فالبدعة على قسمين : بدعة ضلالة ، وبدعة حسنة ، وإثبات الجسميّة ليس بدعة ضلالة ، بل بدعة حسنة .
وقد صرّح بهذا الكلام في الكتاب المذكور ، وحيث إنّنا نقلنا كلامه فيما تقدّم لا نعيده ، فراجع « 2 » .
وهذا هو مبنى ومعتقد كلّ من تبع ابن تيميّة وأيّد منهجه ، وعلى رأسهم أتباع محمّد بن عبد الوهّاب الذي يعتبر امتداداً لنهج ابن تيميّة كما يقول صاحب كتاب ( السبائك الذهبيّة بشرح العقيدة الواسطيّة ) : ( والواقع أنّ دعوة الشيخ محمّد امتدادٌ لدعوة الشيخ ابن تيميّة وأثرة من آثارها . . . لا نزال نميّز بين أهل التوحيد والسنّة في محبّة ابن تيميّة ، فمن كان يبغضه عرفنا أنّه ليس من أهل التوحيد ولا من أهل السنّة ، ومن كان يحبّه عرفنا أنّه من أهل التوحيد والسنّة ) « 3 » .
هامش
( 1 ) المصدر نفسه : ج 1 ص 372 .
( 2 ) درء تعارض العقل والنقل : ج 1 ص 248 - 249 .
( 3 ) السبائك الذهبية : ص 39 .