الإمام البخاري في صحيحه .
وهؤلاء تركوا صحيح النص في القرآن الكريم ، أعني :
لا تُدْرِكُهُ الْأَبْصارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصارَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ
« 1 » ، كما تركوا قضاء العقل الصريح وأخذوا بالرواية ، ولولا وجود هذا الحديث في الصحيح لما أخذوا بهذا القول ، ولكنّهم غفلوا عن أبسط الدلائل على امتناع الرؤية ، لأنّ الرؤية لا تخلو عن حالتين : إمّا تقع على الذات كلّها ، أو على البعض ؛ فعلى الأوّل يلزم أن يكون المرئي محدودا متناهيا محصورا شاغلا لناحية من النواحي وتخلو النواحي الأخرى منه ، وعلى الثاني يلزم أن يكون مركّبا متحيّزا ذا جهة .
إنّ فكرة الرؤية فكرة مستوردة جاءت من جانب الأحبار والرهبان بتدليس خاصّ . فإنّ أهل الكتاب يدينون برؤيته سبحانه ، وقد تصدّى أئمّة أهل البيت عليهم السّلام لتلك الفكرة بخطبهم وأحاديثهم التي لا يسعنا إيرادها في هذا البحث . قال الإمام علي عليه السّلام في خطبة الأشباح :
« الأوّل الذي لم يكن له قبل فيكون شيء قبله ، والآخر الذي ليس له بعد فيكون شيء بعده ، والرادع أناسيّ الأبصار عن أن تناله أو تدركه » . « 2 »
وقد سأله ذعلب اليماني فقال : هل رأيت ربّك يا أمير المؤمنين ؟ فقال عليه السّلام :
« أفأعبد ما لا أرى ؟ » فقال : كيف تراه ؟ فقال : « لا تدركه العيون بمشاهدة العيان ولكن تدركه القلوب بحقائق الايمان ، قريب من الأشياء غير ملابس ، بعيد منها غير مبائن » . « 3 »
هامش
( 1 ) . الأنعام : 103 .
( 2 ) . نهج البلاغة ، الخطبة 87 ، ط عبده .
( 3 ) . نهج البلاغة ، الخطبة 174 .