ورفاقه قال فيها : « دم الشهداء الأبرار سيبقى على الدهر المشعل الذي يضيء طريق الثأر أمام الأمة العربية ، وسيظل مشعل النضال العربي من المحيط إلى الخليج » .
5 - حفلت حياة الشيخ بالنشاط الفكري والعملي والتوجيهي ، وواكب بعزيمة مخلصة وثّابة القضايا الوطنية والعربية والإسلامية التي لم تخل واحدة منها من موقف مشرّف له ، نذكر منها على سبيل المثال أزمة إلغاء قانون ( 2 نيسان ) الذي استتبع المطالبة بإلغاء المحاكم الشرعية ، ومنها كارثة فلسطين ، والدعوة إلى الوحدة الوطنية في حادثة شكر . . وفي الموقف الوطني السليم الذي وقفه في مطلع ثورة سنة 1958 م ، ومنها تحصيل التعويضات عن جامعي الهال والصنائع ، ومنها مشاعره الوطنية أثناء أزمة قناة السويس والعدوان الثلاثي الغاشم على مصر .
ولا بد لنا أن نشير هنا إلى بعض أبرز أعماله التي كان لها أطيب الأثر على صعيد تحسين القضاء الشرعي وتركيز أوضاعه المادية والمعنوية ، وأن نشير إلى أنه منذ أن تسلّم الرئاسة الأولى في هذا القضاء فهو دائب على خدمته ، بحيث توصّل إلى أن جعل نظرة الدولة إلى القضاء الشرعي متساوية مع نظرتها إلى القضاء المدني ؛ وأولى جانبا مهمّا من جوانب كيان القضاء الشرعي عنايته الكبيرة ، وهو تأمين صرح يضم كافة المحاكم الشرعية ودوائرها ، ويكون لائقا مع مقام هذا القضاء الشريف ورسالته . ولقد وفق والحق يقال في إيجاد مبنى ضخما في بيروت جعله وقفا خاصّا للقضاء الشرعي .
شكري فيصل « * » ( 1337 - 1405 ه )
العالم الأديب البحّاثة : شكري بن عمر فيصل ، الدمشقي .
ولد بدمشق سنة 1337 ه بحي العقيبة لأسرة متواضعة ترجع أصولها إلى حمص ، ونشأ في رعاية خاله المربي العلامة الشيخ محمود ياسين ، بل وفي بيته ومدرسته ( مدرسة التهذيب الإسلامي ) في سوق المسكية . فكان خاله مربيّا له وموجّها ومدرّسا ، في حياته العلمية والأدبية والعملية ، ومن ذلك إرشاده لكسب العيش مبكرا ، مع طلب العلم . وقد أحبّه خاله كل المحبة ، وآثره على كثيرين ممن حوله ، وقرّبه لأنه تفرّس فيه النبوغ .
ثم انتسب إلى مدرسة ( أنموذج البحصة ) ، فحصل منها على شهادة الدراسة الابتدائية ، فانتقل إلى المدرسة التجهيزية السلطانية ( مكتب عنبر ) ، وكان من أساتذته فيها : الشيخ زين العابدين التونسي ، وأبو الخير القواس ، والشاعر محمد البزم ، والعلامة محمد سليم الجندي ، والشيخ عبد القادر المبارك .
عرف شكري فيصل بالدأب والدراسة الجادة منذ صغره ، فلم يكن يكتفي بدروس التجهيز النظامية ، بل جمع إليها الحضور في الحلقات العلمية الخاصة التي كانت دمشق تزخر بها في البيوت والمساجد ، ولزم بشكل خاص حلقات خاله ودروسه ، وحلقات علماء حي أسرته ، كالشيخ أبي الخير الميداني والشيخ محمد سليم الحلواني وغيرهما ، فاستفاد منها أيّ فائدة ، كما انتفع بخزانة كتب خاله العامرة بالمؤلفات الجليلة .
ولما كانت أحواله المادية مضطربة فقد لجأ إلى العمل برغم انشغاله في طلب العلم ، فوجد في مهنة الوراقة وتجليد الكتب طلبته بتشجيع خاله ، لأنها لا تبعده عن جو العلم ، بل تزيده قربا من العلماء ، مع أنها لم تكسبه من المال إلا القليل . وكان للأستاذ أحمد عبيد صاحب المكتبة العربية الفضل في توجيهه إلى هذه المهنة وتعليمه إياها ، وبقي يقر له بالفضل حتى أخريات أيامه . ومنذ ذلك الوقت وحتى وفاته امتلأت حياة شكري فيصل بالدأب ، وعرف به .
وبعد حصوله على شهادة ( البكالوريا ) بقسميها العلمي والفلسفي التحق بكلية الآداب في جامعة القاهرة ، حتى إذا منعته ظروف الحرب العالمية الثانية من السفر إليها لمتابعة الدروس تولّى تدريس العربية
هامش
( * ) « الدكتور شكري فيصل وصداقة أربعين عاما » د . عدنان الخطيب ، و « مذكرات المؤلفين » ، و « إضبارة المترجم المحفوظة في مجمع اللغة العربية » ، و « ترجمة » بخطه ، و « تاريخ علماء دمشق » للحافظ : 3 / 457 - 469 .