تخطي إلى المحتوى الرئيسي

نثر الجواهر والدرر في علماء القرن الرابع عشر — صفحة 1841

مساهمون:

ص١٨٤١
وفي عام 1943 عاد إلى بيروت الشيخ شفيق عالما أزهريّا يحمل بين جنبيه قلبا ينبض بحب الإسلام والوفاء له والإصرار على خدمته وخدمة أتباعه ، كما يحمل بين يديه شهادة الليسانس من كلية الشريعة بالأزهر الشريف ، والدكتوراه من الجامعة الفخرية . وكانت بيروت في ذلك الحين عطشى إلى علماء عاملين يقومون بواجب حمل الرسالة في الجامع والمدرسة ، فهذا الواجب الذي كان الحرص عليه من أول الأسباب التي دعت المرحوم الشيخ توفيق خالد لتأسيس الكلية الشرعية . دخل الشيخ شفيق يموت الخدمة الإسلامية من بابها الواسع ، إذ كان المفتي في ذلك الحين يمحضه المحبة ، ويخصّه بكثير من الاحترام والتقدير ، ويعلّق عليه الآمال العراض في تحقيق الأهداف السامية التي كان سماحته ينذر نفسه ووقته وجهده من أجلها . وسرعان ما عهد إلى الشيخ شفيق بخطابة الجمعة في أكبر مساجد العاصمة بيروت أعني به الجامع العمري الكبير . ولا شك أن وظيفة الخطابة هذه في ذلك المركز الحساس وخلال فترة كان فيها مرجل الوطنية وشيك الغليان ، وكانت فيها المطالب الشعبية والحركات التحررية في لبنان وكافة الوطن العربي بلغت أوجها ، ومن هنا برزت دراية الشيخ في خطبه ، وظهرت بوادر العواطف الوطنية على لسانه الصادق الجريء نابعة من قلبه الكبير ، فانطلق من فوق منبر الجامع العمري الكبير يدعم الوعي الوطني ، ويشجّع الحركات التحررية بروح مرنة وأسلوب مجد لا تجريح فيه ولا تنفير ولا استفزاز ولا تحديات ، وانطلق صوته داويا مجلجلا متجاوبا مع العواطف الوطنية والأهداف القومية والغايات الدينية النبيلة ، ولسنا نجافي الحقيقة إذا قلنا إن الشيخ قد اختط في منهاج خطابته طريقة جديدة في الدعوى كان لها أثرها البارز في التوجيه الجماهيري في أحلك الظروف وأهدئها على السواء . ولم يلبث الشيخ أن دخل باب القضاء الأوسع أيضا ، إذ تسلم وظيفة قاض شرعي في البقاع . فبعث في المنطقة كلها روحها الوثابة بنشاطه المستمر ، وشارك في النشاطات الاجتماعية والوطنية مشاركة فعالة يشهد له بها أهل البقاع ، مسلمين ومسيحيين . وعلى إثر وفاة الشيخ محمد توفيق خالد شغر مركز مستشار لدى المحكمة الشرعية العليا ، وكان من نصيب الشيخ شفيق الذي تسلمه سنوات قليلة تابع فيه خدمته في حقل القضاء الشرعي . ثم انتقل إلى قضاء بيروت وقضى فيه ما يقارب خمس سنوات . وفي سنة 1953 م تسلّم الرئاسة الأولى لدى المحكمة الشرعية العليا وهي وظيفته إلى الآن .

* أعمال ومواقف مشهورة :

1 - في المرحلة التي أعقبت العهد الاستقلالي منذ بدايته نهض الشيخ شفيق إلى تأليف جمعية تضم عناصر العلماء في لبنان يكون من أهدافها النهوض بهذا الفريق الجليل من المواطنين وتقديم الخدمات الاجتماعية والصحية والمالية لهم . ومساعدتهم على أداء رسالتهم الدينية السامية . ودعيت هذه الجمعية باسم ( رابطة العلماء في لبنان ) . 2 - في سنة 1957 م دعي الشيخ شفيق لحضور احتفال عيد الحرية التي تقيمه البعثة الدبلوماسية الفرنسية في بيروت ، فاعتذر عن حضورها ببرقية مشهورة وجّهها إلى هذه البعثة ، وكادت تحدث أزمة دبلوماسية قال فيها : إنشاء اللّه سأحتفل بعيد الحرية على أرض الحرية ( أرض الجزائر ) ومع شعب الحرية البطل الجزائري عندما يتحقق لهذا الشعب البطل النصر القريب بإذن اللّه . 3 - هزت الشيخ نكسة انفصال الجمهورية السورية عن الجمهورية العربية المتحدة وحركت مشاعره وقفة العزة والشهامة التي وقفها الرئيس جمال عبد الناصر ، فأرسل إليه برقية ندّد فيها بعملية القدر التاريخية ، وناشد فيها الرئيس العربي الكبير أن يتابع مسيرته الظافرة في قيادة الأمة العربية غير عابىء بالعراقيل والمؤامرة الاستعمارية ، ومؤكدا بالنهاية حتمية الانتصار . 4 - لم يتمالك الشيخ نفسه من أن يعلن النصيحة الدينية في قالب لا يخلو من العاطفة الوطنية المتأججة المتألمة إلى عبد الكريم قاسم يوم صدق حكم الإعدام على أربعة من قادة العراق الأحرار ؛ ناظم الطقجلي
نثر الجواهر والدرر في علماء القرن الرابع عشر — صفحة 1841 | يوسف المرعشلي