تخطي إلى المحتوى الرئيسي

نثر الجواهر والدرر في علماء القرن الرابع عشر — صفحة 1818

مساهمون:

ص١٨١٨

ملا رمضان البوطي « * » ( 1306 - 1410 ه )

الفقيه الزاهد : ( ملّا ) رمضان بن عمر بن مراد الكردي البوطي ، ثم الدمشق . ولد في بلاد الأكراد بقرية جيلكا التابعة لجزيرة بوطان المعروفة بجزيرة ابن عمر على نهر دجلة ، ونشأ وتعلم فيها . ثم تنقل في القرى والبلدان لطلب العلم ، وكان من أبرز شيوخه الشيخ سعيد المشهور بسيدا وعنه تلقى الطريقة النقشبندية ، وملا محمد الزفنكي وأجازاه ، وقد برع في علوم الشريعة كلها ولا سيما الفقه الشافعي ثم الفقه الحنفي ، وأتقن مختلف علوم الآلة . واهتم ب « حاشية ابن عابدين » و « تفسير البيضاوي » و « الرسالة القشيرية » ، ولما اشتد طغيان أتاتورك كره المقام في بلاده ، وتعلّق قلبه بالشام فتوجّه إلى دمشق عام 1352 ه تقريبا مع أطفاله الثلاثة في ظروف عسيرة جدّا ، فوصلها بعد جهد ومشقة وأقام في دار صغيرة بحي الأكراد . عمل ببيع الكتب الدينية ، بادئا من رأس مال صغير جدّا ، فكان يشتري من دمشق الكتب المرغوبة عند الأكراد ، ويسافر بها إلى الجزيرة فيبيعها ويشتري بثمنها ما يتيسر له من الأقوات التي تكثر في الجزيرة ، فيحملها إلى دمشق ويبيعها وهكذا ، حتى عاش على الكفاف مترفّعا عن المسألة وعن اتخاذ الدين وسيلة للرزق ، وكان في الوقت نفسه يتابع مطالعاته ويقرئ الطلاب ويقوم بالنشاطات العلمية التي كان يمارسها في بلاده . شارك خلال حقبة من الزمن مع رابطة العلماء بدمشق في الأنشطة الإسلامية لكنه آثر العزلة ، إلا أنه كان يستقبل زواره جميعا بالترحاب مع استمراره في التدريس الذي اقتصر في سنواته الأخيرة على كتاب « إحياء علوم الدين » للغزالي . كان الشيخ كثير الورع ، حتى إنه لم يكن ليتناول طعاما مشبوها كما لم يكن يتناول طعام من كدح موظف في الدولة ، ولذا فقد عفّت نفسه عن رزق ابنه الذي كان موظفا في التعليم . وأقبل الشيخ على اللّه فاستغرق في التعبد والتبتّل ورقّ قلبه ، وكان كثير البكاء لا سيما في أخريات الليالي والأسحار ، لا يفتر لسانه عن ذكر اللّه تعالى إلا أن تشغله عن الذكر موعظة أو نصيحة ، أو مذاكرة في مسألة علمية . ولهذا فكانت مجالسه مجالس نور وعلم ، فإذا سمع من جليسه غيبة تلطّف في إسكاته ، فإن لم يسكت استعمل معه العنف . لم يعش له من الذكور إلا ابنه الأستاذ الدكتور محمد سعيد ، وكان حريصا على تربيته التربية الإسلامية الحق منذ طفولته الأولى ، واتفق أن مرض الشيخ مرضا شديدا ولم يكن لابنه من العمر سوى عام واحد فخشي أن يموت وينشأ الطفل نشأة جهل وغواية ، فلما أبلّ من مرضه عكف على كتابة رسالة وجّهها لابنه تكون له منهاجا فيما لو حال الموت بينهما . ولما أيفع ولده وجّهه إلى طلب العلم الشرعي ، فأسلمه بيده إلى معهد التوجيه الإسلامي ، الذي كان يترأسه الشيخ حسن حبنكة الميداني رحمه اللّه ، وقبل أن يترك ولده في المعهد قال له كلمة مؤثرة : « اعلم يا بني أنني لو علمت أن الوصول إلى اللّه يكون بكسح القمامة لجعلت منك زبالا ، ولكني نظرت فوجدت الطريق إلى اللّه محصورا في سبيل العلم ، فاسلك هذا الطريق ولا تحد عنه » . وامتد عمر الشيخ فجاوز المئة إلى خمسة أعوام ، وبقي على طريقته حتى توفي في 20 شوال 1410 ه ، فخرجت دمشق في وداعه إلى مثواه الأخير
هامش
( * ) ترجمة خطية بقلم الأستاذ الدكتور سعيد رمضان ، ومقابلة شفهية مع الأستاذ الدكتور سعيد رمضان ، و « تاريخ علماء دمشق » للحافظ : 3 / 551 - 553 .