وتحمّلت ذلك بصبر وجهد ، دون تململ ولا شكاية .
وكان وعظها مؤثرا في النفوس ، يدخل القلب ، ويستثير الدموع . اهتدت بها كثيرات من النسوة بعد ضلال .
ومن أقوالها في دروسها :
- الناس كالنار إن اقتربتم منهم أحرقوكم .
- الشيخ من غير كرامات كذاب .
- الناس مثل كير الحداد ، إن لم يصبكم شراره آذتكم ريحه .
- النفس الأمّارة بالسوء أقوى من سبعين شيطانا .
- النفس لها دساسة ، والعلم له رئاسة .
كانت أنيسة العشرة حلوة الحديث ، عليها سمت لأبرار وهيبة الملوك ، ذات وجه بشوش ، حلوة الحديث ، رفيعة العبارة مع أدب جمّ وعلو في الموضوع ، جادة في التربية لا تتهاون في أصول الدين ، تلتزم بالشريعة والحقيقة معا ، فلا تقبل بواحدة دون الأخرى ، خاشعة القلب ، غزيرة الدمع ، مرهفة الوجدان ، كريمة سخية ، إذا أولمت سرت الضيفات اللواتي كن يجدن البركة في طعامها ، توزّع ما يفضل من الطعام على فقراء الحي ، تتواضع لمن يحدثها ، أسلوبها في الحياة البساطة في منزلها ولباسها . أفعالها تصدق أقوالها ، تأتمر بما تأمر به الآخرين ، كثيرة العبادة في الليل ، وكانت دارها مقصدا لصاحبات الحوائج ، ولهذا فدارها تغصّ بالزائرات ، تحرص على الحج كل عام ، وربما اعتمرت مع جماعة من مريداتها .
اشتهرت كرامات المترجمة في زمنها ، وحكيت لها قصص غريبة فيها ، منها أن المريدات دعونها يوما للنزهة في دمّر ، وكان من بينهن واحدة وافتها برقية من زوجها المسافر تخبرها بقدومه في ذلك اليوم ، ورأت بعد تقليب الرأي أن تحضر الغداء مع شيختها ، ثم تسارع إلى المطار لاستقبال الزوج . وبعد الغداء قالت الشيخة لها : « لا أرى زوجك قادما اليوم ، وأنصح لك ألا تشقّي على نفسك بالذهاب إلى المطار » ، فما نزلت عند رأيها ، وفي المطار أرسل إليها زوجها مع أحد المسافرين يخبرها أنه أجّل القدوم إلى حين .
سألتها إحدى المريدات عن ولدها الذي رحل للخارج من أجل العلاج ، وطال غيابه ، ولم تعرف ماذا جرى له ، فأخبرتها أنه سيكلمها اليوم على الهاتف ، ووصفت لها ما يرتدي من ثياب ، وما يتطيب من طيب ، وفي المساء اتصل الشاب بأمه ، وطمأنها ، فسألته عن حاله ، فأجاب بما كانت أخبرت به شيختها .
ضايقها أهلها إحدى ليالي الاثنين أو الجمعة ، وكان من عادتها الخلوة فيهما ، وأصروا على البقاء في غرفتها مازحين ، فإذا الإضاءة تنقطع في الغرفة ، مع بقاء النور في بقية الغرف .
أصاب إحدى تلميذاتها مرض في عينيها ، وقرر الأطباء ضرورة التدخل الجراحي ، ورأى شقيقها أن يذهب إلى الشيخة وكانت في مضايا ، ليسألها الدعاء بالعافية ، فاستجيب لها في الحين ، ولم تحتج إلى الجراحة .
دعيت مرة لحضور عرس في بيت إحدى مريداتها ، ولما حانت الصلاة دعتها المريدة إلى غرفتها للصلاة فيها بعيدا عن الحضور ، ثم قدمت لها شيئا من فاكهة قليلة ليس عندها سواها ، فما كان من الشيخة إلا أن دعت كل النسوة لمشاركتها بين فزع المضيفة ودهشتها ، فأفرغت الفاكهة بصحن كبير ، ثم أكل من أراد وزاد .
وفي أخريات حياتها ألم بها مرض لم يظهر أثره ، ثم استمرت بين التوعك والصحة ، حتى وافاها الأجل .
وتوفيت يوم 17 ذي القعدة 1404 ه .
الخزنوي - عز الدين أحمد التشقبندي ( ت 1412 ه ) .
الخطيب - محمد سهيل بن عبد الفتاح بن محمد الدمشقي ( ت 1402 ه ) .
الخطيب - محمد صالح بن أحمد بن عبد الرحمن الدمشقي ( ت 1401 ه ) .
الخطيب - محمد بن عبد اللّه الخطيب الدمشقي ( ت 1403 ه ) .
الخطيب ( أبو الفرج ) - محمد بن عبد القادر بن أبي الفرج الدمشقي ( ت 1407 ه ) .
الخطيب ( القارئ ) - واصف بن رضا الدمشقي ثم البيروتي ( ت 1418 ه ) .
نثر الجواهر والدرر في علماء القرن الرابع عشر — صفحة 1809
مساهمون: يوسف المرعشلي
ص١٨٠٩