على نفسه ، ولا يواجه أحدا بما يكره ، ويعمل بصمت .
بسيط المعيشة يرضى بالقليل .
وكان كثير العبادة والذكر شغوفا بالصلاة على النبي صلّى اللّه عليه وسلم . ومنذ حجّ سنة 1380 ه لم يترك الحج إلا سنة واحدة قبيل وفاته حين أقعده المرض . كما كان بواظب على السفر إلى الحجاز لأداء العمرة كل سنة .
وكان إلى جانب اهتمامه بشؤون العامة مصلحا اجتماعيّا ، موفّقا في إصلاحه بين الناس . وكان بيته مقصد المختصمين وموئل المستفهمين والمستفتين .
وظلّ يستقبل الأسئلة ويجيب عليها حتى على الهاتف إلى أن دخل المستشفى في مرضه الأخير .
أحبّه الذين يعرفونه فكانوا يرغبون أن يزورهم .
وكثيرا ما كان يدعى إلى حفلات متعددة في وقت واحد ، فيحاول أن يلبيها كلها ، فيجلس في كل حفل - وخاصة عقود الزواج - وقتا يسيرا ينطلق منه إلى غيره ليدخل السرور على الذين دعوه كلهم .
ساهم في بناء المساجد ، فكان أول الأمر رئيسا للجنة بناء مسجد القاعة الذي أنشأه إنشاء جديدا . كما عمر مساجد أخرى كثيرة . وما كان يملّ العمل أبدا .
كانت له عقيدة حسنة برجال التّصوف ورغبة في مطالعة كتبهم ، كما كان يحب أن يقفو أثرهم في مجالس الذكر مع حضور القلب . يكره من يهاجم الصوفيين الحقيقيين وينتصر لهم .
خطيب بارز مفوّه ، ولذا غدا مسجده في محلة القاعة قبلة الكثيرين . وكان في خطبه جهوري الصوت حسن الإلقاء مترسلا في جمله ، يخطب وكأنه يرتل ، يختار الجمل بألفاظ سهلة ومعنى واضح وأسلوب شيّق ، وكان كثير الاستشهاد في الخطب يرتجل ويجيد ويخطب على البداهة في أي موضوع طلب منه .
وقبل وفاته بنحو أربع سنوات أصيب بنوبة قلبية ألزمته دخول المستشفى ، ثم نقل إلى القطر الأردني ، فأجريت له عملية جراحية « 1 » ، شفي بعدها وزاول أعماله الاعتيادية وتحمل الجهد والتعب .
ثم أصيب ثانية في قلبه ، ورأى الأطباء ضرورة أن تجرى له عملية أخرى في مستشفى الحسين بالأردن أيضا ، إلا أنه توفي قبل الدخول إلى العملية في المستشفى المذكور ظهر يوم الجمعة 11 شوال 1408 ه ، الموافق 27 أيار 1988 م ، فنقل إلى دمشق يوم السبت ، وصلى عليه الشيخ كريّم راجح عند صلاة العصر في الجامع الأموي ، وخرجت جنازته حافلة ، مشت فيها دمشق وراء نعشه على الأقدام حتى مقبرة بوابة اللّه في الميدان .
وقد امتلأ الجامع من أجل الصلاة عليه حرمه وصحنه حتى اضطرت الشرطة إلى إغلاق أبوابه قبل إقامة الصلاة . وتكلّم الخطباء في تأبينه منهم الشيخ كريّم راجح والشيخ الدكتور محمد سعيد رمضان البوطي والشيخ عبد الرزاق الحلبي وأثنوا عليه بما هو أهله .
قال العارفون : لم تشهد دمشق جنازة مثلها إلا جنازة الشيخ بدر الدّين الحسني محدّث الشام .
وقال الشيخ كريّم راجح عن جنازته : « غصت شوارع دمشق على رحبها بالناس وامتلأت السطوح والشرفات وأشجار المدينة والجسور بالآلاف وما كنت تستطيع أن ترى الجدران والأرض حتى وكأن الشوارع تمشي والأرض كأنها تزحف » .
ثم كانت التعزية به في الجامع الأموي أيضا ، فكان المعزون بالآلاف يقصدون الجامع ويقعدون على الأرض يملؤون صحن المسجد ليستمعوا إلى الخطباء الذين يعظون الناس ويذكرون مناقب الشيخ . وأقام بعض وجهاء محلة القاعة موائد الطعام على روحه ، كانت تنصب في الطرقات ويأكل منها الآلاف محبة بالشيخ وأسفا وترحّما عليه .
وكتب على لوحة قبره أبيات رثاه بها الشيخ صادق حبنكة :
هذا ضريح الذي أفنى مواهبه * في العلم والنصح والإصلاح والرشد
قد كان سمحا ودودا ناسكا فطنا * أرضى الإله ولم يحقد على أحد
هامش
( 1 ) كانت العملية كما قال الأطباء غير مضمونة النتائج ، وقد وافق عليها بعد أن رأى شيخه في المنام يقول له : « اعملها وتوكل على اللّه » .