تخطي إلى المحتوى الرئيسي

نثر الجواهر والدرر في علماء القرن الرابع عشر — صفحة 2094

مساهمون:

ص٢٠٩٤
المرشد وهي أن تحضر أمام قلبك روح المرشد ، وتفتح قلبك - وهو أسفل الثدي الأيسر - إزاءه ، وتجعله مثل آنية كبيرة نظيفة أمام فيوضاته وتعلم أن روح حضرة الرسول صلى اللّه عليه وسلم حاضر في صدر ملكة الرابطة أي المرشد بجهة أعلى ، وتتصور هطول الأنوار والفيوضات الربانية من بحر رحمة الحق ، جل جلاله وعم نواله ، على روح صاحب الفتوح ، حضرة الخاتم صلى اللّه عليه وسلم وتنزل عليه وهو الواسطة العظمى بين الخالق والمخلوق قبل كل واسطة ووسيلة ، ومن قلبه المبارك إلى قلب ملكة الرابطة ومنه إليه - أي شخص المريد - لاكتساب المحبة الإلهية في قلبه وليكن معلوما هذا التصور والانتظار يجب أن يكون فقط مع مجرد روح المرشد لا مع غيره ، ولا يتصور الصورة الظاهرية ، ويحسب أنه لم ير صورته قط ، لأن تعامل العظماء والأكابر مع الروح فقط لا مع الأجسام . وحسب القاعدة وآداب الطريقة يكون الشخص أثناء الرابطة مغمض العينين حتى يكون حضوره أتمّ وأكمل . وإذا رأى أثناء الرابطة أشكالا وألوانا بنظر خياله ، فليوجه ملكة الرابطة إليها ويستمد منه أن يدفع هذا المشهود ، وإذا لم تمح بواسطة الرابطة فلا يشغل فكره بها ، ولا يبالي بوجودها ، ويداوم على شغله وانتظاره كما في السابق ، وإذا ظهرت صورة المثال لصاحب الرابطة - يعني المرشد بشرط الاشتغال مع الروح المجرد لا مع الصورة ، فلا بأس . وإن قيل : كيف يتصور إحضار ملكة الرابطة بدون تصوير وتجسيم وتخييل صاحب الرابطة ، نقول : إن هذا له مثال لون ورائحة الأزهار من أغصان وأوراق الأزهار نفسها أو إحساس ضوء الشمس من كوة داخل الغرفة محسوس ومتصور يتميز بعضها من بعض وليس له وجود خارجي بمعنى وجود قائم بنفسه ، أو بعبارة أوضح : إن كل فرد يصدق ويذعن إذعانا كاملا بوجود روحه وهو متعلق بجميع ذرات وجوده في بدنه ، ومع هذا - في نظر غير أهل البصيرة - فإن تصور حقيقة - الروح ليس ممكنا ، وإن الأجسام اللطيفة مثل الجن والملك والهواء وغيرها موجودة ، ووجودها الخارجي قائم بذاته وتصوير أشكالها واختراع صورها خارج عن قوة خيالنا ، والمهم أن المبتدىء عليه أن يشتغل بهذا الترتيب في إحضار ملكة الرابطة ويداوم عليه ، وكما قيل : إن هذا السؤال والجواب لأشخاص حديثي عهد بالطريقة والقادمين لأول مرة ، ويجب أن يدخل بصدق النية وتسليم كامل ، ولا يدع للخيال الباطل والتصور الفاسد أن يتسرب إلى ذهنه فيشوش عليه حاله ، لأنه رقيق جدّا ، وإلا فبعد مدة وجيزة من الدوام على هذا النحو يظهر عليه ، حسب استعداده وسعيه وضع شهودي إن شاء اللّه . ويتحرر عن التقليد والتصور المحض ، ويظهر له بجلاء عالم آخر ، ووضع جديد ، وحالة وجدانية لم يكن يحس بها من قبل ، ويعلم أنه يوجد ما وراء عالم المادة والمشاهدة عالم آخر وهو عالم المجرّدات وإدراك حقائق الأشياء وحقيقة معرفة اللّه تعالى إلى حدود الطاقة البشرية . وفي غير هذا العالم - عالم التصوف - غير ممكن ولا يمكن الخروج عن دائرة التقليد ولو كان أرسطو زمانه . وليعلم المبتدىء أن هذا الترتيب في أول جلسة الرابطة ، وليس من الواجب أن يتخيل في كل لحظة أن ملكة الرابطة باقية في مكانها أو لا ، أو أن الفيوضات الواردة من النبع إلى قلبه باقية بحالها أو لا ، وكمثال على ذلك أن البستاني أو المزارع وقت السقي والإرواء يأخذ من النهر أو العين المعينة مقدارا لازما من الماء يلاحظه ويرعاه إلى أن يصل إلى البستان أو الحقل ، وبعد وصول الماء لا يراجع المنبع كل لحظة ، بل يشتغل بالسقي والإرواء ، وليحذر أن يجلب لنفسه خواطر ما يوجب تشويش الخاطر ، ولو ظهرت أثناء الرابطة أمور خيالية وتفكّرات واهمة وشغلته عن انتظار الواردات ، فلينتبه وليرجع إلى الرابطة وهذا كاف ، وكلما كان مرتبطا وفكره مع الرابطة فالرابطة لا تدعه يتيه ويضل ، وهو معذور في خيالات لا تنقطع حتى في الصلاة والعبادة ، ولهذه الرابطة - وتسمى الرابطة المخصوصة - لا بد أن يجلس المريد نصف ساعة أو أكثر بهذه الشروط . أما الرابطة الدائمية والانتظار العمومي لا يحتاج إلى هذه الشرائط وإنما يكفيه الانتظار ، ومعلوم أنه كلما كان الاشتغال أكثر كان النفع أزيد وأقوم . وكلما أراد أن يجلس للذكر القلبي ، يعني أن يكون ذاكرا بالقلب للّه ، فليدع الرابطة ويتركها ويشتغل بالذكر القلبي بهذا المنوال : يحبس نفسه ، ويلصق لسانه