الطريق دليلهم ، وإن شاء اللّه وبلطفه وإمداد أرواح الأكابر يفتح باب الفيوضات الربانية على قلوبهم ولطائفهم حتى يخرجوا من التقليد المحض ، ويحصل لهم نوع مناسب من الإدراك الشهودي والإحساس القلبي ، ويكونوا أهلا لنوع من آداب السلوك ، وهناك حسب الأمر والإشارة فإن المرشد يرتّب جهدا وسعيا آخر ، حتى لا يظن أشخاص غير عالمين أن السير والسلوك وآداب الطريقة هو هذا فقط ، ومن المفيد أن يقال لهم : انتبهوا ، فهذا الدستور للمبتدىء . وعمل المتوسط والمنتهي نوع آخر . .
والمبتدىء يشاهد أحيانا بواسطة الرابطة وترسيخ العلاقة النسبية أحوالا ومشاهدات ، ينبغي أن لا يغتر بها ، ولا يتخيل أن طريق المعرفة هي هذه الأحوال فقط ، فينحرف بها عن الصراط المستقيم والنيل بالمقصود ، كما يرى ويسمع
وَمَنْ يَعْشُ عَنْ ذِكْرِ الرَّحْمنِ نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطاناً فَهُوَ لَهُ قَرِينٌ ( 36 ) وَإِنَّهُمْ لَيَصُدُّونَهُمْ عَنِ السَّبِيلِ وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ مُهْتَدُونَ
( 37 ) [ الزخرف : 36 ، 37 ] والمبتدىء ليس على مستوى واحد من الاستعداد الفطري والجهد والسعي ، ويدل على ذلك
وَقَدْ خَلَقَكُمْ أَطْواراً
( 14 ) [ نوح : 14 ] ويشهد عليه الأثر المعروف : « الطريق إلى اللّه بعدد أنفاس الخلائق » ، وليس معناه في سبيل العبادة ومعرفة الحق أن يتخذ كل فرد طريقا ومنهجا من عند نفسه ، لأنه لو اتخذ كل شخص إلهه هواه ودار على دائرة أوهامه ، وأهمل منهج الشريعة وحقيقة الطريقة ، فلا يطول الوقت به حتى ينحرف عن جادة الشريعة الغرّاء . ومن الواضح أن جهاد كل الطرائق ، وتحمل أنواع الشدائد والرحمات والرياضات من أجل سلوك هذه الشريعة الغراء واتباعها ، فهو في غير هذه الحالة إما منحرف أو متخلّف . لكن المقصود من تعدد الطرائق بمقدار أنفاس الخلائق ، أي بحسب استعدادهم الفطري ومراتبهم ودرجاتهم ومجاهداتهم خالصا لوجه اللّه ورضائه ، ولذلك بصرف الهمة والغيرة المخلصة في سبيل تنقية النفس من الرذائل البشرية ، والأخلاق غير المرضية ، واكتساب الصفات الحسنة ، والتخلّق بسنن حضرة خير البرية ، عليه وعلى آله وأصحابه أفضل الصلاة وأزكى التحية .
كما أنه عن طريق الدرس والتعليم والفهم والتفهيم وقد جاء في الخبر « كلّم الناس على قدر عقولهم » ، وفي رواية : « نحن معاشر الأنبياء نكلم الناس على قدر عقولهم » . ونقول بكل ثقة وعلى قدر وسعة ظروفهم واستعدادهم ومجاهداتهم وتفكّرهم وعدم غفلتهم ودرجات توكّلهم ، ونظم طبيب لبيب ، لا يخلط وظيفة المبتدىء مع المتوسط والمنتهي ، لأن اشتغال الدارس لكتاب تهذيب الكلام : ( كتاب يقرأه الطالب المنتهي في علم الكلام ) بألف باء أو الكتب الأولية ، أو اشتغال المبتدىء بما هو خارج عن محيط ذهنه واستعداده هو تضييع للعلم والوقت والجهد والإنسان ، وليعلم بأن العلم والتعليم والسير والسلوك للمتنسكين السالكين في الطرق العلية يشبه ركوب البحر العميق والمحيط بلا قعر ، فالعوم والسباحة فيه لغير أهله ، ولا على أساس سفينة الشريعة لا يؤدي إلا إلى الهلاك واليأس والحرمان . ومن يريد أن يكون موفقا ويستفاض عليه النور فعليه أولا أن يكون تحت نظر مرشد كامل ومكمّل بوسيلة لربّانه يرد هذا البحر الزاخر ويجني الدرر المتلألئة في قعره العميق . فبعد مبايعة مرشد الوقت المجاز الكامل ، بإخلاص وتسليم ، وإرادة سلوك آداب المبتدئين في هذه الطريقة أولا أن يصلي ركعتين ، وبعد السلام ، دون أن يقوم من مقامه ، مستقبل القبلة ، مطرق الرأس يقرأ سورة الفاتحة والإخلاص ، ويهدي مثل ثوابهما إل أرواح الأنبياء من أبينا آدم إلى حضرة خاتم النبيين ، عليه وعليهم الصلاة والسلام وإلى جميع الأصحاب والأولياء والعلماء المجتهدين وإلى مرشده ، ويذكر اسم من يعرف منهم أثناء الإهداء ، ولا مانع إذا لم يعرف . ثم يصلي على النبي صلى اللّه عليه وسلم بعدد الوتر ، من سبع إلى خمس عشرة صلاة ، ويستغفر اللّه هكذا وبحضور المعنى . وبعد ذلك ، وبمفاد ومضمون الحديث الشريف : « أكثروا ذكر هاذم اللذات - الموت - فإنه ما من قليل إلا كثره ، وما من كثير إلا قلله » .
ولمدة خمس دقائق إلى عشر يشتغل برابطة القبر والموت ( لأن التفكر في الموت يهيء المرء لتلقي الفيض ويجرده عن العلائق المادية والرذائل لفترة قبل الرابطة ، ويكون قلبه مستعدّا للاتصال بالأرواح . وذكر الموت دواء لأمراض النفوس ) . وبعد ذلك يبدأ برابطة