تخطي إلى المحتوى الرئيسي

نثر الجواهر والدرر في علماء القرن الرابع عشر — صفحة 2053

مساهمون:

ص٢٠٥٣
وعيّن مدرّسا في « مظاهر العلوم » التي كان يدرس فيها شيخه - ووالده من قبل - غرة محرم سنة 1335 ه وهو أصغر الأساتذة سنّا ، وأسند إليه تدريس كتب لا تسند عادة إلى أمثاله في العمر ، وأثبت المدرّس الشاب جدارته وقدرته على التدريس ، حتى أصبح رئيس أساتذة هذه المدرسة ، وانتهت إليه رئاسة تدريس الحديث أخيرا ، وكان أكثر اشتغاله بتدريس سنن أبي داود ، ويدرس النصف الثاني من صحيح البخاري في آخر السنة ، وبعد وفاة الشيخ عبد اللطيف مدير المدرسة آل إليه تدريس الجامع الصحيح بكامله ، فواظب عليه مدة طويلة مع ضعف بصره وأمراضه الكثيرة ، ولم يعتذر عنه إلا في أول السنة الدراسية في سنة 1388 ه . وكان اشتغاله بالتدريس طول هذه المدة تطوعا وتبرعا ، لا يأخذ في ذلك أجرا ولا يبغي جزاء ، وعندما سافر بصحبة شيخه السهارنفوري إلى الحج عام 1344 ه ، حصلت له في الحجاز الإجازة العامة والخلافة المطلقة عن الشيخ خليل أحمد ، وفي هذه الرحلة وأثناء إقامته في مدينة الرسول عليه أفضل الصلاة والتسليم بدأ في تأليف كتاب « أوجز المسالك » في شرح الموطأ لإمام دار الهجرة ، وهو في التاسعة والعشرين من عمره ، بدأ في تأليفه في مسجد الرسول صلى اللّه عليه وسلم ، وبارك اللّه في الكتابة والتأليف ، فأكمل في بضعة شهور ما لم يكمله في سنين عديدة في الهند ، ووصل في الشرح إلى أبواب الصلاة ، وظل مشتغلا به بعد عودته إلى الهند ، تتخلله فترات طويلة حتى أكمله في ستة أجزاء كبار . وعاد إلى الهند مكرما محببا مثقلا بالأعباء ، قد شخصت إليه الأبصار ، وارتفعت إليه الأصابع ، واتجهت إليه القلوب ، فأقبل على التدريس والتأليف بجميع همته ، وتوفي شيخه في الحجاز فآلت إليه المشيخة ورئاسة تدريس الحديث ، والإشراف على تربية أصحابه ، والاتصال بمراكز العلم المنتشرة حوله ، وبالجماعات الدينية التي تلوذ به وتلتقي عليه وتصدر عن رأيه ، وبيته ملتقى العلماء والطلبة والواردين والصادرين ، ولا تشغله المطالعة وما فطر عليه من حب العلم والانزواء والخلوة ، عن البشاشة ، وبذل الود ، وطيب النفس ، ولا يشغله كل ذلك عن الاشتغال بربه ، والانفراد بعبادته ومناجاته ، وعن تربية المريدين ، وعن حضور حفلات التبليغ ، وعن وضع كتب ورسائل في الإصلاح والدعوة إلى اللّه ، في أسلوب سهل يتنزل فيه إلى مستوى العامة ، وقد تلقيت هذه الرسائل بقبول عام وانتفع بها خلق لا يحصون ، وظهرت لها طبعات لم تتيسر إلا لكتب دينية معدودة في عصرنا . وأوقاته مشغولة بأمور نافعة موزعة بينها ، يحافظ عليها بكل دقة وشدة ، فإذا صلى الفجر جلس قليلا ، مشغولا بحزبه وورده ، ثم يخرج إلى بيته ويجلس مع الناس ، ثم يطلع إلى غرفة مطالعته فيشتغل بالمطالعة والتأليف ، ولا يزوره في هذا الوقت إلا من يطلبه أو من يكون مستعجلا من الضيوف ، وغرفته هذه تذكر بالسلف المنقطعين إلى العلم والتأليف ، فهي آية في البساطة والتقشف ، ومجردة من كل زينة وتكلف ، فإذا كان وقت الغداء نزل وجلس مع الضيوف الذين يكثر عددهم عادة وهم من طبقات شتى ، فيؤنسهم ويلاطفهم ويبالغ في إكرامهم ، والتفقّد لما يسرهم ويلذّ لهم ، فإذا صلى الظهر اشتغل بإملاء الرسائل والرد عليها قليلا ، وكانت تتراوح بين 40 و 50 رسالة يوميّا ، ثم خرج إلى الدرس ، وكان يشتغل به ساعتين كاملتين قبل العصر ، فإذا صلى العصر جلس للناس ، وإذا صلى المغرب اشتغل طويلا بالتطوع والأوراد ، ولا يتناول طعام العشاء عادة إلا إكراما لضيف كبير . وهو كثير النشاط لا يعرف الكسل ، خفيف الروح ، بشوش ودود ، كثير الدعابة مع الذين يأنسهم أو يحب أن يؤنسهم ، سريع الدمعة ، جريح المقلة ، كلما ذكر شيء من أخبار الرسول صلى اللّه عليه وسلم أو الصحابة والأولياء ، أو أنشد بيت رقيق مرقّق فاضت عيناه ، وتملكه البكاء ، وهو يغالبه ويخفيه فتنمّ عليه الدموع ، وليس الحديث له صناعة وعلما فحسب ، بل هو ذوق وحال يعيش به ويعيش فيه . وسافر إلى الحج للمرة الخامسة في صفر عام 1389 ه ، وصاحبه فيها العلامة أبو الحسن الندوي ، وذكر أنه كان شديد الأدب مع الرسول صلى اللّه عليه وسلم ، شديد الحب له والشوق إليه ، وكان يجلس تجاه أقدامه - عليه الصلاة والسلام - ساعات متواليات ، مشغولا مراقبا ،