انتسب سنة 1332 ه / 1913 م إلى كلية الطب العثمانية السورية في جامعة بيروت التي أغلقت هي والمدارس جميعا بسبب ظروف الحرب العالمية الأولى ، لكنه عاد إليها بعد الحرب ، واستأنف دراسته في الكلية الطبية الفرنسية ، فدرس فيها ثلاث سنوات . ولما دخل الملك فيصل بلاد الشام وافتتحت في دمشق كلية الطب درس المترجم فيها سنتين وتخرج منها ليتقدم إلى مسابقة الكلية نفسها ، فقبل أستاذا مساعدا .
لم يمارس مهنة الطب ، وإنما انصرف إلى العلوم الدينية وغيرها فلزم المحدث الشيخ بدر الدين الحسني وكانت صلته به قوية جدّا انتقل لذلك إلى دار الحديث الأشرفية بناء إلى توجيهاته ، فنزل في إحدى غرفها ، وباشر تدريس طلابها المقيمين فيها ، كما تردّد إلى الشيخ أحمد الحارون وأحبّه .
ثم عيّن في حوران معلما ابتدائيّا تابعا لوزارة المعارف ، ونقل بعد مدة إلى دمشق . وبعد عشر سنوات تقريبا نقل إلى المدارس المتوسطة والثانوية في دمشق : لتدريس علوم الشريعة واللغة العربية ، فمارس عمله حتى بلغ الستين ، فأحيل على التقاعد .
وظل بعد التقاعد يمارس التعليم إلى جانب التجارة ، ثم تسلّم الخطابة في جامع الخياط لأكثر من ثلاث سنوات ، إضافة إلى حلقة للتدريس فيه . وكانت له جلسات وحلقات مع إخوانه ومريديه في البيوت .
وكان منكبّا على الكتب والمطالعة ، له مطالعات مع كثير من علماء دمشق في البيوت .
له مريدون ترددوا إليه في بيته ، وفي دار الحديث منهم الشيخ محمود الرنكوسي ، والشيخ عبد العزيز الخطيب .
كان المترجم جسورا جريئا لا يهاب في الحق أحدا ، جهوري الصوت ، له هيبة شديدة في قلوب الناس ؛ لأن همه كان دوما الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ولو في الطرقات ، مع من يعرف ومن لا يعرف ، فإن رأى امرأة مستهترة نصح لها وزجرها غاضّا بصره ، وإن وجد ولدا يلبس ثيابا قصيرة قال له : قل لأهلك إن لبس الثياب القصيرة لا يجوز ، فإذا رد أحد الناس في وجهه أو استهتر بكلامه صاح به وزجره فنزلت عليه هيبته وأبلس ، ولهذا كانت بعض النسوة من جيرانه إن رأينه أسرعن فاختبأن ؛ لئلا يراهن ، وإن شاهد بائعا يستعمل الورق المكتوب علّمه ونبهه لقدسية الحروف العربية التي يتركب منها القرآن الكريم . وهو كلما رأى ورقة في طريقه انحنى فالتقطها حتى يجتمع في يديه ورقات فيحرقها على رصيف الطريق .
وكان كثيرا التصدّق ، بكّاء ، كثير القيام والصيام والمناجاة وتلاوة القرآن ، لا ينام الثلث الأخير من الليل أبدا .
كان طويل الجسم ، جسيما ذا وجه مستدير ، يلبس العمامة الصفراء ( الأغباني ) ، ويلوثها على طربوشه على طريقة شيخه الشيخ بدر الدين الحسني . لسانه رطب بذكر اللّه ، يظن بالناس خيرا ويثني على الكثيرين ، ولا يذكر أحدا بسوء .
امتحنه اللّه فصبر على المصائب ، حامدا شاكرا ؛ فقد توفي ابنه الأستاذ محمد تاركا له أطفاله الذين رعاهم ، وقام على شؤونهم ، ثم ما لبثت أن توفيت زوجته وهو في حالة أحوج ما يكون إليها ، ثم ابتلاه اللّه في صحته فكسر حوضه ، وبقي قعيد الفراش ست سنوات حتى توفي .
ترك « تفسيرا للقرآن الكريم » استخلصه من كتب التفسير ، وضمنه فهمه ورأيه في بعض القضايا مما لم يأت عليها المفسرون .
وقبل وفاته بأيام جعل يدعو لأهله وذويه وللمسلمين ، ويردد قوله تعالى :
رَبَّنا لا تُؤاخِذْنا إِنْ نَسِينا أَوْ أَخْطَأْنا رَبَّنا وَلا تَحْمِلْ عَلَيْنا إِصْراً كَما حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِنا رَبَّنا وَلا تُحَمِّلْنا ما لا طاقَةَ لَنا بِهِ وَاعْفُ عَنَّا وَاغْفِرْ لَنا وَارْحَمْنا أَنْتَ مَوْلانا فَانْصُرْنا عَلَى الْقَوْمِ الْكافِرِينَ
[ البقرة : 286 ] ، ثم انقطع كلامه ، وبقي لسانه يتحرك قائلا : اللّه ، اللّه ، اللّه . . .
حتى توفي .
وكانت وفاته ليلة الاثنين 9 المحرم سنة 1403 ه ، وكفّن بجبة الشيخ بدر الدين الحسني ، وصلى عليه تلميذه الشيخ محمود الرنكوسي في جامع الشيخ بدر الدين أيضا ، ودفن قريبا من المسجد المذكور شمالا ، وقرأ الحاضرون بعد دفنه مباشرة سورة ياسين ، وتكلم في تأبينه الشيخ عبد الرحمن بركات ، وكان العزاء في دار الحديث الأشرفية .