حتى ظنّ أنّه برئ من جرحه ويخرج للجهاد مرة أخرى .
ويبلغ الرسول صلّى اللّه عليه وآله وسلم أنّ طليحة وسلمة ابني مخلد يعدان على رأس بني أسد لمهاجمة المدينة ويحرضان على ذلك ؛ ليصيبا من أطراف المسلمين ويغنما من نعمهم ، فعقد لأبي سلمة على مائة وخمسين ، فيهم أبو عبيدة الجراح وسعد بن أبي وقاص وأسيد بن خضير ، وأمرهم بالاستخفاء نهارا والسير ليلا وسلوك الطرق المجهولة ؛ لكيلا يعرف أمرهم فيتأهب لهم العدو .
واتّبع أبو سلمة أمر رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله وسلم حتى صحبهم وهم على غير استعداد ، فخطب رجاله يحضهم على الثبات والنصح في الجهاد ، ثم حمل بهم حملة صادقة ، فما هي إلّا هجمة إيمان حتى كانت الدائرة تقع على المشركين ، ولم يقووا على الثبات ، ثم وجّه في طلب الفارين ، ورجع بعد ذلك بالغنيمة والنصر يعيد للمسلمين بعض هيبتهم ، فيكمّ الأفواه ويلجم النفوس ، ويدخل في روع المشركين أنّ الإسلام على عزيمة رجاله جدير أن لا تقف قوّة أمامه « 1 » .
يرجع أبو سلمة ، وترجع إليه آلامه من جراحه يوم أحد التي كانت قد اندملت على وغل ، ويتضاعف الألم ويتضاءل الأمل هذه المرة في الشفاء ، وتفشل المراهم والعلاجات ، فتكون نهاية المطاف وخاتمة الشهيد العظيم . وفي لوعة الأسى والحزن ومضض المصيبة تتذكّر أم سلمة حديثا سمعته من زوجها الراحل عن الرسول الأعظم صلّى اللّه عليه وآله وسلم فقد جاءها يوما فقال :
« لقد سمعت من رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله وسلم حديثا أحبّ إليّ من كذا وكذا لا أدري ما أعدل به ، سمعت رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله وسلم يقول : « لا يصيب أحدا مصيبة فيسترجع عند ذلك ويقول : اللّهم عندك أحتسب مصيبتي هذه ، اللّهم أخلفني فيها خيرا منها ، إلّا أعطاه اللّه عزّ وجلّ » .
قالت أم سلمة : فلما أصبت بأبي سلمة قلت : اللّهم عندك أحتسب مصيبتي هذه ، ولم تطب نفسي أن أقول : اللّهم أخلفني فيها بخير منها ، ثم قالت : من خير من أبي سلمة ، أليس ، أليس ،
هامش
( 1 ) - انظر أم سلمة لمحمد زكي بيضون : 28 .